فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 294

فلا يتم مقام التوحيد إلا بهذا، وهو دين الرسل، أنذروا قومهم عن الشرك كما قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ، وقال تعالى: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) .

قوله:"في عبادة الله"العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.

قوله:"والتغليظ في ذلك"وهذا موجود في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: (( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) ولولا التغليظ لما جرى على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريش ما جرى من الأذى العظيم كما هو مذكور في السير مفصلًا فإنه باداهم بسبب دينهم وعيب آلهتهم.

قوله رحمه الله تعالى:"والمعاداة فيه"كما قال: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) ، والآيات في هذا كثيرة جدًا كقوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) والفتنة الشرك، ووسم تعالى أهل الشرك بالكفر فيما لا يحصى من الآيات، فلا بد من تكفيرهم أيضًا. هذا هو مقتضى"لا إله إلا الله"كلمة الإخلاص، فلا يتم معناها إلا بتكفير من جعل لله شريكًا في عبادته كما في الحديث الصحيح:"من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله"، فقوله:"وكفر بما يعبد من دون الله"، تأكيد للنفي فلا يكون معصوم الدم والمال إلا بذلك، فلو شك أو تردد لم يحرم دمه وماله.

فهذه الأمور هي تمام التوحيد لأن"لا إله إلا الله"قيدت في الأحاديث بقيود ثقال: بالعلم، والإخلاص، والصدق، واليقين، وعدم الشك. فلا يكون المرء موحدًا إلا باجتماع هذا كله واعتقاده وقبوله ومحبته والمعاداة فيه والموالاة، فبمجموع ما ذكره شيخنا رحمه الله يحصل ذلك.

ثم قال رحمه الله تعالى:"والمخالف في ذلك أنواع؛ فأشدهم مخالفة من خالف في الجميع فقبل الشرك واعتقده دينًا، وأنكر التوحيد واعتقده باطلًا، كما هو حال الأكثر، وسببه الجهل بما دل عليه الكتاب والسنة من معرفة التوحيد وما ينافيه من الشرك والنديد واتباع الأهواء، وما عليه الآباء، كحال من قبلهم من أمثالهم من أعداء الرسل فرموا أهل التوحيد بالكذب والزور، والبهتان والفجور، وحجتهم (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) ."

وهذا النوع من الناس والذين بعده قد ناقضوا ما دلت عليه كلمة الإخلاص، وما وضعت له، وما تضمنته من الدين الذي لا يقبل الله دينًا سواه، وهو دين الإسلام الذي بعث الله به جميع أنبيائه ورسله وأنفقت دعوتهم عليه. كما لا يخفى فيما قص الله عنهم في كتابه.

ثم قال رحمه الله تعالى:"ومن الناس من عبد الله وحده، ولم ينكر الشرك ولم يعاد أهله". قلت: ومن المعلوم أن من لم ينكر الشرك لم يعرف التوحيد ولم يأت به، وقد عرفت أن التوحيد لا يحصل إلا بنفي الشرك، والكفر بالطاغوت المذكور في الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت