فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 294

ثم قال رحمه الله:"ومنهم من عاداهم ولم يكفرهم"فهذا النوع أيضًا لم يأت بما دلت عليه"لا إله إلا الله"من نفي الشرك وما تقتضيه من تكفير من فعله بعد البيان إجماعًا، وهو مضمون سورة الإخلاص و (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وقوله في آية الممتحنة (كَفَرْنَا بِكُمْ) ومن لم يكفر من كفره القرآن فقد خالف ما جاءت به الرسل من التوحيد وما يوجهه.

ثم قال رحمه الله تعالى:"ومنهم من لم يحب التوحيد، يبغضه"فالجواب أن من لم يحب التوحيد لم يكن موحدًا، لأنه هو الدين الذي رضيه الله لعباده كما قال تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا) فلو رضي به الله تعالى وعمل به لأحبه، ولا بد من المحبة لعدم حصول الإسلام بدونها، فلا إسلام إلا بمحبة التوحيد، قال الشيخ أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: الإخلاص محبة الله وإرادة وجهه، فمن أحب الله تعالى أحب دينه، ومن لا فلا، والمحبة يترتب عليها كلمة الإخلاص، وهي من شروط التوحيد.

ثم قال رحمه الله تعالى:"ومنهم من لم يبغض الشرك ولم يحبه". قلت ومن كان كذلك فلم ينف ما نفته"لا إله إلا الله"من الشرك والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه، فهذا ليس من الإسلام في شيء أصلًا، ولم يعصم دمه ولا ماله كما دل عليه الحديث المتقدم.

وقوله رحمه الله تعالى:"ومنهم من لم يعرف الشرك ولم ينكره ولم ينفعه"ولا يكون موحدًا إلا من نفى الشرك وتبرأ منه وممن فعله وكفرهم، والجهل بالشرك لا يحصل شيء مما دلت عليه"لا إله إلا الله"، ومن لم يقم بمعنى هذه الكلمة ومضمونها فليس من الإسلام في شيء لأنه لم يأت بهذه الكلمة ومضمونها عن علم ويقين وصدق وإخلاص ومحبة وقبول وانقياد، وهذا النوع ليس معه من ذلك شيء، وإن قال:"لا إله إلا الله"فهو لا يعرف ما دلت عليه وما تضمنته.

ثم قال رحمه الله تعالى:"ومنهم من لم يعرف التوحيد ولم ينكره"، فأقول: هذا كالذي قبله، لم يرفعوا رأسًا بما خلقوا له من الدين الذي بعث الله به رسله، وهذه الحال حال من قال الله فيهم: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) .

وقوله رحمه الله تعالى:"ومنهم -وهو أشد الأنواع خطرًا- من عمل بالتوحيد ولم يعرف قدره، ولم يبغض من تركه ولم يكفرهم". فقوله رحمه الله تعالى:"وهو أشد الأنواع خطرًا"لأنه لم يعرف قدر ما عمل به، ولم يأت بما يصحح توحيده من القيود الثقال التي لا بد منها، لما علمت من أن التوحيد يقتضي نفي الشرك والبراءة منه معاداة أهله وتكفيرهم مع فيام الحجة عليهم، فهذا قد يغتر بحاله، وهو لم يأت بما عليه من الأمور التي دلت عليها كلمة الإخلاص نفيًا وإثباتًا.

وكذلك قوله رحمه الله تعالى:"ومنهم من ترك الشرك وكرهه ولم يعرف قدره"فهذا أقرب من الذي قبله، لكن لم يعرف قدر الشرك لأنه لو عرف قدره لفعل ما دلت عليه المحكمات، كقول الخليل: (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) وقوله: (إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا) فلا بد لمن عرف الشرك وتركه من أن يكون كذلك من الولاء، والبراءة نم العابد والمعبود، وبغض الشرك وأهله وعداوتهم.

وهذان النوعان هما الغالب على أحوال كثير ممن يدعي الإسلام، فيقع منهم من الجهل بحقيقته ما يمنع الإتيان بكلمة الإخلاص، وما اقتضته على الكمال الواجب الذي يكون به موحدًا. فما أكثر المغرورين الجاهلين بحقيقة الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت