فهرس الكتاب
وأما ما زعمه من أن الأدلة الدالة على استوائه على عرشه لا تمنع أن يكون مستويًا على غيره، فالجواب أن نقول: قد أجمع أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا على أنه لا يجوز أن يوصف الله بما لم يصف به نفسه، ولا وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن وصفه بغير ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم فهو جهمي ضال مضل، يقول على الله بلا علم، وقد ذكر سبحانه استوائه على عرشه في سبعة مواضع من كتابه في سورة"الأعراف"وفي سورة"يونس"وفي سورة"الرعد"وفي سورة"طه"وفي سورة"الفرقان"وفي سورة"السجدة"وفي سورة"الحديد"ولم يذكر تعالى أنه استوى على غير العرش، ولا ذكره رسوله صلى الله عليه وسلم، فعلم أنه ليس من صفاته التي يجوز أن يوصف بها، فمن أدخل في صفات الله ما لم يذكر في كتاب الله ولا في سنة رسوله فهو جهمي يقول على الله ما لا يعلم، وقد قال الله تعالى: (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) ، (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) ، (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) ، (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) ، (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) ، (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) ، (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ، علو القدر وعلو القهر وعلو الذات، لا يجوز أن يوصف إلا بذلك كله لكماله تعالى في أوصافه، فله الكمال المطلق في كل صفة وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقال تعالى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ) فذكر العرش عند هذه الصفة من أدلة فوقيته تعالى كما هو صريح فيما تقدم من الآيات، وكقوله تعالى: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) الآية.
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في معنى قول الله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) الآية:"اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء". فقوله فليس فوقك شيء نص في أنه تعالى فوق جميع المخلوقات، وهو الذي ورد عن الصحابة والتابعين من المفسرين وغيرهم في معنى قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) إن معنى استوى استقر وارتفع وعلا وكلها بمعنى واحد، لا ينكر هذا إلا جهمي زنديق يحكم على الله وعلى أسمائه وصفاته بالتعطيل، قاتلهم الله أنّى يؤفكون.
والنصوص الدالة على إثبات الصفات كثيرة جدًا، وقد صنف أهل السنة من المحدثين والعلماء مصنفات كبارًا، ومن ذلك (كتاب) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ذكر فيه أقوال الصحابة والتابعين والأئمة، (وكتاب التوحيد) لإمام الأئمة محمد بن خزيمة، (وكتاب السنة) للأثرم صاحب الإمام أحمد، وكتاب عثمان بن سعيد الدارمي في رده على المريسي، و (كتاب السنة) للخلال، و (كتاب العلو) للذهبي وغير ذلك مما لا يحصى كثرة ولله الحمد والمنة. ونذكر بعض الأحاديث الصريحة في المعنى، فمن ذلك ما رواه بن أبي حاتم عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة أو قال رعدة شديدة خوفًا من الله عز وجل، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدًا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد ثم يمر جبرئيل على الملائكة كلما مر على سماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبرئيل فيقول جبرئيل قال الحق وهو العلي الكبير فيقولون كلهم مثل ما قال جبرئيل فينتهي جبرئيل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل".