فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 294

ففي هذا الحديث التصريح بأن جبرئيل ينزل بالوحي من فوق السموات السبع فيمر بها كلها نازلًا إلى حيث أمره الله، وهذا صريح بأن الله تعالى فوق السموات على عرشه بائن من خلقه، كما قال عبد الله بن المبارك لما قيل له: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على عرشه بائن من خلقه؛ وهذا قول أئمة الإسلام قاطبة خلافًا للجهمية الحلولية والفلاسفة، وأهل الوحدة وغيرهم من أهل البدع. فرحم الله أهل السنة والجماعة المتمسكين بالوحيين.

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:"إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي فهو عنده فوق العرش".

وفي حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر سبع سموات وما بينهما ثم قال:"وفوق ذلك بحر بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية أوعال ما بين أظلافهن وركبهن كما بين سماء إلى سماء ثم فوق ظهورهن العرش ما بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء والله تعالى فوق ذلك".

وفي حديث ابن مسعود الذي رواه عبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام أحمد عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود قال: بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام وبين الكرسي والماء خمسمائة عام والعرش فوق الماء والله تعالى فوق العرش لا يخفي عليه شيء من أعمالكم.

والجهمية جحدوا هذه النصوص وعاندوا في التكذيب فصاروا بذلك كفارًا عند أكثر أهل السنة والجماعة، وهذا القدر الذي ذكرنا كاف في بيان ما عليه أهل السنة والجماعة من علو الله تعالى على جميع المخلوقات، واستوائه على عرشه، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك، ولو ذهبنا نذكر ما ورد في ذلك لاحتمل مجلدًا فالحمد لله الذي حفظ على الأمة دينها في كتابه وسنة رسوله وينقل العلماء الذي هم في هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل وهدانا إلى ذلك، فأبطل الله بالعلماء كل بدعة وضلالة حدثت في هذه الأمة فيا لها من نعمة ما أجلها في حق من تلقى الحق بالقبول وعرفه ورضي به، نسأل الله أن يجعلنا شاكرين لنعمه مثنيين بها عليه، فله الحمد لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه خلقه.

فأهل السنة والجماعة عرفوا ربهم بما تعرف به إليهم من صفات كماله اللائقة بجلال الله، فأثبتوا له تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، وعرفوه بأفعاله وعجائب مخلوقاته؛ وبما أظهره لهم من عظيم قدرته وبما أسبغه عليهم من عظيم نعمه فعبدوا ربًا أحدًا صمدًا إلهًا واحدًا، هو الله لذي الإلهية وصفه فالخلق خلقه، والملك ملكه، لا شريك له في إلهيته ولا في ربوبيته ولا في ملكه تعالى وتقدس، كما قال تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ) ونزهوه عما تنزه عنه وعن كل ما فيه عيب ونقص، وعن كل ما وصفته الجهمية وأهل البدع مما لا يليق بجلاله وعظمته.

وأما الجهمية فعطلوه من صفات الكمال وصاروا إنما يعبدون عدمًا لأنهم وصفوه بما ينافي الكمال، يوقع في النقص العظيم فشبهوه بالناقصات تارة، وبالمعدوم تارة فهم أهل التشبيه كما عرفت من حالهم وضلالهم ومحالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت