فهرس الكتاب
وأما ما أورده هذا الجهمي الجاهل من آيات العلم كقوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) وقوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) فلا منافاة بين استوائه على عرشه وإحاطة علمه بخلقه، والسياق يدل على ذلك. أما الآية الأولى فهي مسبوقة بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) ذكر استوائه على عرشه وذكر إحاطة علمه بما في الأرض والسموات ثم قال: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) أي بعلمه المحيط بما كان وما يكون.
وأما الآية الثانية فهي كذلك مسبوقة بالعلم وختمها تعالى به فقال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) إلى قوله: (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فعلم أن المراد علمه بخلقه وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، كما قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) .
وهذا المعنى الذي ذكرناه هو الذي عليه المفسرون من الصحابة والتابعين والأئمة وجميع أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية وأهل البدع فحرموا معرفة الحق لانحرافهم عنه وجهلهم به وبالقرآن والسنة، كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى:
ثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بشرائع الإيمان
ومن المعلوم أنه لا يقبل الحق إلا من طلبه، وأما أهل البدع فأشربوا في قلوبهم ما وقعوا فيه من البدع والضلال، جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. فإذا عرف ذلك (فيتعين) أن نسأل هذا الجهمي وغيره من المبتدعة عن أمور لا يسع مسلمًا أن يجهلها لأن الإسلام يتوقف على معرفتها، فمن ذلك ما معنى كلمة الإخلاص لا إله إلا الله؟ وما الإلهية المنفية بلا النافية للجنس؟ وما خبرها؟ وما معنى الإلهية التي ثبتت لله وحده دون ما سواه؟ وما أنواع التوحيد وألقابه وأركانه؟ وما معنى الإخلاص الذي أمر الله به عباده وأخبرهم أنه له وحده؟ وما تعريف العبادة التي خلقوا لها؟ وما أقسام العلم النافع الذي لا يسع أحدًا جهله؟ وما معنى اسم الله تعالى الذي لا يسمى بهذا الاسم غيره؟ وما صفة اشتقاقه من المصدر الذي هو معناه؟
فالجواب عن هذا مطلوب، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد سيد المرسلين وإمام المتقين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.