فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 294

وكيف يتصور أن يبذل ماله بالنذر والذبح مع أن المال عزيز عند أهله لمن لا يرجوه ويعتقد أنه لا يحصل له من جهته نفع ولا دفع ضر، فهذا من أبين المحال وأبطل الباطل، كيف وهم يفتخرون بقضاء حاجاتهم وكشف كرباتهم من جهتهم، فبعض منهم يعتقدون أن الميت ونحوه يفعل ذلك أصالة، وبعضهم يقول: هم وسيلتنا إلى الله، يعنون واسطة بينهم وبين الله كما عليه المشركون الأولون كما أخبر الله عنهم أنهم يقولون: (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) ، (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) بل كثير من مبتدعة هذه الأمة أعظم غلوًا واعتقادًا في ولائجهم من المشركين الأولين، لأن الله سبحانه أخبر عن المشركين الموجودين حين نزول القرآن أنهم يخلصون لله الدعاء في حال الشدة وينسون آلهتهم، وكثير من غلاة أهل هذا الزمان يخلصون الدعاء عند الأمور المهمة والشدائد لولائجهم كما هو مستفيض عنهم، قال تعالى إخبارًا عن المشركين: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) ، وقال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) وقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) ، وقال تعالى: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) .

ومن العجب قول بعض من ينتسب إلى علم ودين إن طلبهم من المقبورين والغائبين ليس دعاء لهم بل هو نداء، أفلا يستحي هذا القائل من الله إذا لم يستح من الناس من هذه الدعوى الفاسدة السمجة التي يروج بها على رعاع الناس، والله سبحانه وتعالى قد سمى الدعاء نداءً كما في قوله: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) ، وقوله تعالى: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) .

وأي فرق بين ما إذا سأل العبد ربه حاجة وبين ما إذا طلبها من غيره ميت أو غائب بأن الأول يسمى دعاء والثاني نداء؟ وما أسمج هذا القول وأقبحه، وهو قول يستحى من حكايته لولا أنه يروج على الجهال، لا سيما إذا سمعوه ممن يعتقدون علمه ودينه، وأي فرق بين سؤال الميت حاجة وبين سؤالها من صنم ونحوه بأن الثاني يسمى دعاء والأول نداء؟

فإن قال الكل يسمى نداء لا دعاء فهذا مشاقة للقرآن ومحادة لله ورسوله، وما أظن عاقلًا يحيك هذا في نفسه، وإنما هو عناد ومكابرة، وإنما تروج على أشباه البهائم، أما يخاف هذا أن يتناوله قوله تعالى: (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) والله سبحانه وتعالى سمى سؤال غيره دعاء في غير موضع من كتابه (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ) والدعاء في القرآن يتناول دعاء العبادة ودعاء المسألة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت