فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 294

، فكما أن السجود عبادة فكذلك الدعاء والنذر والذبح وغيرهما كما تقدم تعريفه. وقد نهى الله عن دعاء غيره وذم فاعل ذلك وأمرنا بإخلاص الدعاء له وأكثر مما ذكر في خصوصية السجود، مع أن الدعاء في القرآن يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة الذي يدخل فيه السجود وغيره من أنواع العبادة.

قال الله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) وقال تعالى: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ، وقال تعالى: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) ، وقال تعالى: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ) ، وقال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) ، وقال تعالى: (( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) وفي القرآن مثل ذلك مالا يحصى.

قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى في الكلام على ذي النون: لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول دعاء العبادة ودعاء المسألة، وفسر قوله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) بالوجهين.

وفي حديث النزول:"من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له"، والمستغفر سائل والسائل داع، لكن ذكر السائل لدفع الشر بعد السائل للخير، وذكرهما بعد الدعاء الذي يتناولهما وغيرهما من عطف الخاص على العام، وسماها دعوة لتضمنها النوعين، فقوله"لا إله إلا أنت"اعتراف بتوحيد الإلهية، وهو يتضمن النوعين، فإن الإله هو المستحق لأن يدعى بالنوعين.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في البدائع بعد آيات ذكرها قال: وهذا في القرآن كثير يبين أن المعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر، فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعى رجاء وخوفًا دعاء العبادة. فعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة ... إلى أن قال: وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، ولا استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعمال له في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين جميعًا. انتهى

فعلى هذا يكون النهي عن دعاء غيره سبحانه نصًا في دعاء العبادة وفي دعاء المسألة حقيقة، فهو نهي عن كل منهما حقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت