فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 294

فصل وقد ذكرنا أن الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى إنما قال: ترجى المغفرة لمن فعل بعض البدع مجتهدًا أو جاهلًا،

لم يقل ذلك فيمن ارتكب الشرك الأكبر والكفر الظاهر، بل قد قال رحمه الله: إن الشرك لا يغفر وإن كان أصغر، وقد قدمنا بعض كلامه في ذلك. ونذكر هنا بعض ما اطلعنا عليه من كلامه وكلام غيره من العلماء. قال رحمه الله تعالى في شرح العمدة لما تكلم في كفر تارك الصلاة، قال: وفي الحقيقة فكل رد لخبر الله أو أمره فهو كفر دق أو جل، لكن قد يعفى عما خفيت فيه طرق العلم وكان أمرًا يسيرًا في الفروع، بخلاف ما ظهر أمره وكان من دعائم الدين من الأخبار والأوامر.

وقال رحمه الله في أثناء كلام له في ذم أصحاب الكلام: والرازي من أعظم الناس في باب الحيرة، لكن هو مسرف فيه له نهمة في التشكيك، والشك في الباطل خير من الثبات على اعتقاده، لكن قل أن يثبت أحد على باطل محض، بل لا بد فيه من نوع من الحق، وتوجد الردة منهم كثيرًا كالنفاق، وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن يقع ذلك في طوائف منهم في أمور يعلم العامة والخاصة بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفّر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره، فإن هذا أظهر شرائع الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس وتعظيم شأنها، ومثل معاداة المشركين وأهل الكتاب، ومثل تحريم الفواحش والربا والميسر ونحو ذلك.

إلى أن قال: وصنف الرازي كتابه في عبادة الأصنام والكواكب وأقام الأدلة على حسنه ورغب فيه، وهذه ردة عن الإسلام إجماعًا. انتهى

فقوله رحمه الله: بل اليهود والنصارى يعلمون ذلك هو كما قال، فقد سمعنا من غير واحد من اليهود أنهم يعيبون على المسلمين ما يفعل عند هذه المشاهد يقولون إن كان نبيكم أمركم بهذا فليس بنبي، وإن كان نهاكم عنه فقد عصيتموه. فيا سبحان الله ما أعجب هذا، اليهود ينكرون هذه الأمور الشركية ويقولون لا يأتي بها نبي، وكثير من علماء هذا الزمان يجوزون ذلك ويوردون الشبه الباطلة عليه وينكرون على من أنكره. وانظر قول الشيخ: لكن قد يعفى عما قد خفيت فيه طرق العلم وكان أمرًا يسيرًا في الفروع. وقوله أيضًا: وهذا في المقالات الخفية، فقد يقال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها.

وقال الشيخ رحمه الله في الرسالة السنية لما ذكر حديث الخوارج: فإذا كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه من قد مرق من الدين مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذا الزمان قد يمرق أيضًا، وذلك بأمور: منها الغلو الذي ذمه الله تعالى كالغلو في بعض المشايخ كالشيخ عدي، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يدعوه من دون الله بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني أو اجبرني أو توكلت عليك أو أنا في حبك، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل. فإن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده ولا يجعل معه إله آخر، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى مثل الملائكة والمسيح وعزير والصالحين أو قبورهم لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق، وإنما كانوا يدعونهم يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استعانة.

وقال أيضًا رحمه الله وقد سئل عن رجلين تنازعا فقال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله، فإنا لا نقدر أن نصل إليه إلا بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت