فهرس الكتاب
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان متكئًا فجلس فقال:"ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور"فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت، ثم ذكر أحاديث كثيرة ثم قال:
(تنبيهات) : منها بيان الشرك وذكر جملة من أنواعه لكثرة وقوعها في الناس وعلى ألسنة العامة من غير أن يعلموا أنها كذلك، فإذا بانت لهم فلعلهم أن يجتنبوها لئلا تحبط أعمال مرتكبي ذلك، ويخلدوا في أعظم العذاب وأشد العقاب، ومعرفة ذلك أمر مهم جدًا، فإن من ارتكب مكفرًا تحيط جميع أعماله، ويجب عليه قضاء الواجب منها عند جماعة من الأئمة كأبي حنيفة، ومع ذلك فقد توسع أصحابه في المكفرات وعدوا منها جملًا مستكثرة جدًا وبالغوا في ذلك أكثر من بقية أئمة المذاهب. هذا مع قولهم بأن الردة تحبط جميع الأعمال، وبأن من ارتد بانت منه زوجته وحرمت عليه.
فمع هذا التشديد بالغوا في الاتساع في المكفرات، فتعين على كل ذي مسكة في دينه أن يعرف ما قالوه حتى يجتنبه ولا يقع فيه فيحبط عمله ويلزمه قضاؤه وتبين منه زوجته عند هؤلاء الأئمة، بل عند الشافعي رحمه الله تعالى أن الردة وإن لم تحبط العمل لكنها تحبط ثوابه فلم يبق الخلاف بينه وبين غيره إلا في القضاء فقط.
ثم ذكر أنواع الكفر نوعًا نوعًا، وسيأتي بقية كلامه إن شاء الله تعالى في ذلك. لكن تأمل رحمك الله قوله: لكثرة وقوعها في الناس على ألسنة العامة من غير أن يعلموا أنها كذلك، وأن الشرك والردة قد وقع فيه كثير من أهل زمانه، يتبين لك مصداق ما قلنا إن شاء الله تعالى.
وقال النووي في شرح مسلم: وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح باسم غير الله كمن ذبح للصنم أو للصليب أو لموسى أو عيسى أو للكعبة ونحو ذلك. وكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًا أو يهوديًا نص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله والعبادة له كان ذلك كفرًا، فإن كان الذابح قبل ذلك مسلمًا صار بالذبح مرتدًا. انتهى.
فتأمل قوله: فإن قصد مع ذلك الخ تجده صريحًا في أن المسلم إذا قصد بالذبح لغير الله تعظيم المذبوح له غير الله والعبادة له أنه يصير كافرًا مرتدًا. والله أعلم.
فصل
وأما كلام الحنفية فقال في كتاب تبيين المحارم المذكورة في القرآن: (باب الكفر) وهو الستر وجحود الحق وإنكاره، وهو أول ما ذكره في القرآن العظيم المعاصي، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) الآية، وهو أكبر الكبائر على الإطلاق فلا كبيرة فوق الكفر.
إلى أن قال: واعلم أن ما يلزم به الكفر أنواع: نوع يتعلق بالله سبحانه، ونوع يتعلق بالقرآن وسائر الكتب المنزلة، ونوع يتعلق بنبينا صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والملائكة والعلماء، ونوع يتعلق بالأحكام.