فهرس الكتاب
فتأمل أول الكلام وآخره، وتأمل كلامه فيمن دعا نبيًا أو وليًا مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني ونحوه، أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، تجده صريحًا في تكفير أهل الشرك قتلهم بعد الاستتابة وإقامة الحجة عليهم، وأن من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية فقد اتخذه إلهًا مع الله، لأن الإله هو المألوه الذي يألهه القلب أي يقصده بالعبادة والدعوة والخشية والإجلال والتعظيم، وإن زعم أنه لا يريد إلا الشفاعة والتقرب عند الله، لأنه بين أن هذا هو مطلوب المشركين الأولين، واستدل على ذلك بالآيات الصريحات القاطعات، والله أعلم.
وقال رحمه الله تعالى في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) : وكانت الطواغيت الكبار التي تشد لها الرحال ثلاثة: اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى. وكل واحد منها لمصر من أمصار العرب، فكانت اللات لأهل الطائف ذكروا أنه في الأصل رجل صالح يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا على قبره ..
وأما العزى فكانت لأهل مكة قريبًا من عرفات، وكانت هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون ..
وأما مناة فكانت لأهل المدينة، وكانت حذو قديد من ناحية الساحل. ومن أراد أن يعرف كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله تعالى وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن فلينظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زمانه وما ذكره الأزرقي في أخبار مكة وغيره من العلماء، ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط قال بعض الناس: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال:"الله أكبر إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم"، فأنكر صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين سلاحهم، فكيف بما هو أطم من الشرك بعينه؟ -إلى أن قال-: فمن ذلك أمكنة بدمشق مثل مسجد الكف يقال أنه كف علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى هد الله ذلك الوثن، وهذه الأمكنة كثيرة موجودة في أكثر البلاد، وفي الحجاز منها مواضع. انتهى كلامه.
فتأمل رحمك الله تعالى كلام هذا الإمام في اللات والعزى ومناة وجعله بعينه هذا الذي يفعل بدمشق وغيرها من البلاد في ذلك، وتأمل قوله على حديث ذات أنواط وتدبره فإنه نافع جدًا.
وقال رحمه الله تعالى في الكلام على قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) : ظاهره أن ما ذبح لغير الله سواء لفظ أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة، فلو ذبح لغير الله متقربًا إليه لحرم، وإن قال بسم الله كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن. انتهى كلامه.
فتأمل رحمك الله تعالى هذا الكلام وتصريحه فيه بأن من ذبح لغير الله من هذه الأمة فهو كافر مرتد لا تباح ذبيحته، لأنه يجتمع فيها مانعان: الأول أنها ذبيحة مرتد، وذبيحة المرتد لا تباح بالإجماع، والثاني أنها مما أهل به لغير الله، وقد حرم الله ذلك في قوله: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ) ، وتأمل قوله: ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن. والله أعلم.