فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 294

وقال الشيخ تقي الدين في الرسالة السنية لما ذكر حديث الخوارج ومروقهم من الدين وأمره صلى الله عليه وسلم بقتالهم قال: فإذا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام من مرق مع عبادته العظيمة فليعلم أن المنتس إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام، وذلك بأسباب: منها الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح جعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصراني أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا يجعل معه إله آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنب النبات وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم ويقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) ويقولون: (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) ، فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحدا من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) الآية، قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرًا والملائكة إلى أن قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) .

وكان صلى الله عليه وسلم يحقق التوحيد ويعلمه أمته، حتى قال رجل: ما شاء الله وشئت، قال:"أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده"ونهى عن الحلف بغير الله وقال:"من حلف بغير الله فقد أشرك"، وقال في مرض موته:"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"يُحذّر ما فعلوا، وقال:"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد"، ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان تعظيم القبور.

ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها، لأنه إنما يكون لأركان بيت الله فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق، كل هذا لتحقيق التوحيد الذذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملًا إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) وقال تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) ، وقال صلى الله عليه وسلم:"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"والإله هو الذي يؤلهه القلب عبادة واستعانة ورجاء له وخشية وإجلالًا. انتهى كلامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت