فهرس الكتاب
قلت: ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ إسحاق الحينبائي رحمه الله تعالى -أحد الصالحين ببلاد إفريقية في المائة الرابعة- حكى عنه صاحبه الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المؤدب أنه كان إلى جانبه عين تسمى عبن العافية كان العامة قد افتتنوا بها يأتونها من الآفاق، من تعذر عليه نكاح أو ولد قال: امضوا بي إلى عين العافية فتعرف بها الفتنة، قال أبو عبد الله: فأنا في السحر ذات ليلة إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها فخرجت فوجدته قد هدمها وأذّن الصبح عليها ثم قال: اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسًا، فما رفع لها رأس إلى الآن.
قلت: وأدهى من ذلك وأمر إقدامهم على قطع الطريق السابلة يجيزون في أحد الأبواب الثلاثة القديمة العادية التي هي من بناء الجن في زمن نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام، أو من بناء ذي القرنين، وقيل فيها غير ذلك ما يؤذن بالتقدم على ما نقلناه في كتاب تاريخ مدينة دمشق حرسها الله تعالى وهو الباب الشمالي ذكره لهم بعض من لا يوثق به أحد شهور سنة ست وثلاثين وستمائة أنه رأى منامًا يقتضي أن ذلك المكان دفن فيه بعض أهل البيت، وقد أخبرني عنه ثقة أنه اعترف له أنه افتعل ذلك، فقطعوا طريق المنارة فيه وجعلوا الباب بكماله أصل مسجد مغصوب، وقد كان الطريق يضيق بسالكيه فتضاعف الضيق والحرج على من دخل ومن خرج، ضاعف الله عذاب من تسبب في بنائه، وأجزل ثواب من أعان على هدمه وإزالته اتباعًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم في هدم مسجد الضرار المرصد لأعدائه من الكفار.
قلت: فلم ينظر الشرع إلى كونه مسجدًا، وهدمه لمّا قصد به السوء والردى، وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى) الآية، أسأل الله الكريم معافاته من كل ما يخالف رضاه، وأن لا يجعلنا ممن أضله فاتخذ إلهه هواه. انتهى.
فتأمل رحمك الله تعالى كلام هذا الإمام وتصريحه بأن الذي تفعله العامة في زمانه في العمد والشجر والمواضع المخصوصة أنه مثل فعل المشركين بذات أنواط، وكذلك تصريح أبي بكر الطرطوشي وكان من أئمة المالكية بأن كل شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها فهي ذات أنواط، وكذلك تأمل قوله، ولقد أعجبني ما فعله الشيخ أبو إسحاق ببلاد إفريقية في المائة الرابعة في هدمه تلك العين التي تسمى عين العافية لما رأى الناس يقصدونها ويتبركون بها، يتبين لك أن الشرك قد حدث في هذه الأمة من زمان قديم، وأن أهل العلم رضي الله عنهم ينكرون ذلك أشد الإنكار، ويهدمون ما قدروا عليه مما يفتتن به الناس وأن هذا مما حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة، وأن ذلك ليس من الدين بإجماع أهل العلم، ويجب على من قدر على ذلك إزالته، فويل للأمراء والقضاة القادرين على إزالته والنهي عنه.
وتأمل أيضًا كلام أبي شامة في المسجد الذي بنى على قارعة الطريق، وتمنيه هدمه وإزالته، وتشبيهه إياه بمسجد الضرار، وكان أبو شامة رحمه الله تعالى في أوائل القرن السابع، ومعلوم أن الأمر لا يزلد إلا شدة، والله أعلم.
فهذا ما وقفنا عليه من كلام الشافعية والحنفية (والمالكية) في هذه المسألة.
فصل
وأما كلام الحنابلة فقال الإمام أبو الوفا بن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وخطاب الموتى بالحوائج أو كتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا، وكذا إلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبدا اللات والعزى. انتهى كلامه. فتأمل قوله: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع وتشبيهه إياهم بمن عبد اللات والعزى.