فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 294

ومن أنواع العبادة النذر، فلا ينذر إلا لله وحده، قال الله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) وقال تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا بعصه".

والحاصل أن"العبادة"اسمع جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من أقوال العباد وأفعالهم، أمرهم به في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد صرح هذا الحنفي في كتابه الذي قدمته لك أن من أشرك في عبادة الله غيره فهو كافر بالإجماع سواء فعله عمدًا أو هزلًا، وأنه يقتل إن أصر على ذلك، وإن تاب تاب الله عليه، وسلم من القتل، والله أعلم.

وذكر أيضًا أن ما يكون فعله كفرًا بالاتفاق إذا فعله المسلم تحبط جميع أعماله ويلزمه إعادة الحج ولا يلزمه إعادة الصلاة والصوم لأنهما يسقطان عن المرتد ويكون وطؤه مع امرأته حرامًا ووزنًا، وإن أتى بكلمة الشهادة بحكم العادة ولم يرع عما قاله لا يرتفع الكفر. والله أعلم.

وقال الشيخ قاسم في شرح الدرر: النذر الذي يقع من أكثر العوام -بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلًا: يا سيدي فلان إن رد غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي لك من الذهب والطعام أو الشمع كذا -باطل إجماعًا لوجوه: (منها) أن النذر للمخلوق لا يجوز، (ومنها) أن ذلك كفر -إلى أن قال- وقد ابتلي الناس بذلك ولا سيما في مولد أحمد البدوي. ا. هـ. فصرح بأن هذا النذر كفر يكفر به المسلم، والله أعلم.

ومن كلام الشافعية أيضًا ما قاله الإمام المحقق ناصر السنة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم محدث الشام المعروف بأبي شامة في كتاب: (الباعث، على إنكار البدع والحوادث) ومواضع مخصوصة في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شهد بالصلاح والولاية، فيحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون ذلك إلى أن يعظم وقت تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي بين عيون وشجر، وحائط وحجر.

وفي مدينة دمشق صانها الله تعالى مواضع متعددة كعوينة الحمى خارج باب توما، والعمود المخلوق داخل باب الصغيرة والشجرة اليابسة خارج باب النصر في نفس قارعة الطريق سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات أنواط الواردة في الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق وسفيان بن عيينة عن الزهري عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، وكانت لقريش شجرة خضراء عظيمة يأتونها كل سنة فيعلقون عليها سلاحهم ويعكفون عندها ويذبحون لها -وفي رواية- خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل حنين وللمشركين سدرة يعكفون عليها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بشجرة عظيمة خضراء فتنادينا من جنبتي الطريق ونحن نسير إلى حنين: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم لهم ذات أنواط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"هذا كما قال قوم موسى لموسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) لتركبن سنن من كان قبلكم"أخرجه الترمذي بلفظ آخر والمعنى واحد، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

قال الإمام أبو بكر الطرطوشي في كتابه: فانطروا رحمكم الله تعالى أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدونها الناس ويعظمون من شأنها ويرجون البرء والشفاء من قبلها وينوطون بها أسلحتهم ويضربون عليها المسامير والخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت