فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 294

فتأمل رحمك الله تعالى كلام إسحاق بن راهويه ونقله الإجماع على أن من سب الله أو سب رسوله أو دفع شيئًا مما أنزل الله فهو كافر -وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله- يتبين لك أن من تلفظ بلسانه بسب الله تعالى أو بسب رسوله صلى الله عليه وسلم فهو كافر مرتد عن الإسلام، وإن أقر بجميع ما أنزل الله، وإن كان هازلًًا بذلك لم يقصد معناه بقلبه، كما قال الشافعي رضي الله عنه: من هزل بشيء من آيات الله فهو كافر، فكيف بمن هزل بسب الله تعالى أو بسب رسوله صلى الله عليه وسلم؟

ولهذا قال الشيخ تقي الدين: قال أصحابنا وغيرهم: من سب الله كفر -مازحًا أو جادًا- لقوله تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) الآية، قال: وهذا هو الصواب المقطوع به. ا. هـ.

ومعنى قول إسحاق رحمه الله تعالى"أو دفع شيئًًا مما أنزل الله"أن يدفع ويرد شيئًا مما أنزل الله في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الفرائض أو الواجبات أو المسنونات أو المستحبات، بعد أن يعرف أن الله أنزله في كتابه أو أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم أو نهى عنه ثم دفعه بعد ذلك فهو كافر مرتد وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله من الشرع إلا ما دفعه وأنكره لمخالفته لهواه أو عادته أو عادة أهل بلده، وهذا معنى قول العلماء رضي الله عنهم: من أنكر فرعًا مجمعًا عليه فقد كفر فإذا كان من أنكر النهي عن الأكل بالشمال أو النهي عن إسبال الثياب -بعد معرفته أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك- فهو كافر مرتد ولو كان من أعبد الناس وأزهدهم، فكيف بمن أنكر إخلاص العبادة لله وحده، وإخلاص الدعوة والاستغاثة والنذر والتوكل وغير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله وحده، ولا يصلح منها شيء ملك مقرب ولا نبي مرسل، التي أرسل الله جميع كتبه لأجل معرفتها والعمل بها، التي هي أعظم شعائر الإسلام الذي هو معنى لا إله إلا الله، فمن أنكر ذلك وأبغضه وسبه وسب أهله وسماهم الخوارج فهو الكافر حقًا الذي يجب قتاله حتى يكون الدين كله لله بإجماع المسلمين كلهم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(فصل) وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الإغاثة: قال صلى الله عليه وسلم:"لا تتخذوا قبري عيدًا"، وقال:"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"وفي اتخاذها أعيادًا من المفاسد العظيمة ما يغضب لأجله من في قلبه وقار الله وغيرة على التوحيد، ولكن: ما لجرح بميت إيلام:

(منها) الصلاة إليها والطواف بها واستلامها وتعفير الخدود على ترابهاوعبادة أصحابها وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الديون وتفريج الكربات التي كان عبد الأوثان يسألونها أوثانهم. وكل من شم أدنى رائحة من العلم يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى ذلك، وأنه صلى الله عليه وسلم أعلم بعاقبة ما نهى عنه ما يؤول إليه، وإذا لعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد يعبد الله فيا فكيف بملازمتها واعتياد قصدها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت