فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 294

ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبور وما أمر به ونهى عنه وما عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادًا للآخر، فنهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ونهى عن تسريجها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القنابل عليها، ونهى أن نتخذها عيدًا وهؤلاء يتخذونها أعيادًا، وأمر بتسويتها كما في صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه، وهؤلاء يرفعونها ويجعلون عليها القباب، ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه كما في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه، ونهى عن الكتابة عليها كما رواه الترمذي في صحيحه عن جابر، ونهى ألا يزاد عليها غير ترابها كما رواه أبو داود عن جابر، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن ويزيدون على ترابها بالجص والآجر والأحجار، وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجًا، وصنفوا لها (مناسك حج المشاهد) ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام. فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته وما شرعه هؤلاء.

والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بزيارة القبور لأنها تذكر بالآخرة، وأمر الزائر أن يدعو لأهل القبور، ونهاه أن يقول هجرًا. فهذه الزيارة التي أذن الله فيها لأمته وعلمهم إياها، هل تجد فيها شيئًا مما يعتمده أهل الشرك والبدع، أم تجدها لمضادة لما هم عليه من كل وجه أو لا أحسن ما قال الإمام مالك"لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها"، ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم عرضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك.

ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحملوا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد الدعاء جعل ظهره إلى جدار القبر ثم دعا وقد نص على ذلك الأئمة الأربعة أنه يستقبل القبلة للدعاء حتى لا يدعو عند القبر فإن الدعاء عبادة.

وبالجملة فالميت قد انقطع عمله فهو محتاج إلى من يدعو له، ولهذا شرع في الصلاة عليه من الدعاء ما لم يشرع مثله للحي؛ ومقصود الصلاة على الميت الاستغفار له والدعاء له. وكان صلى الله عليه وسلم يقف على القبر بعد الدفن فيقول:"سلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل"فبدل أهل البدع والشرك به قولًا غير الذي قيل لهم: فبدلوا الدعاء له بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به، والزيارة التي شرعت إحسانًا إلى الميت إلى الزيارة بسؤال الميت والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد.

وذكر ابن إسحاق عن أبي العالية قال: لما فتحنا (تُستر) وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرًا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف، فحملنا المصحف إلى عمر، فدعا كعبًا فنسحه بالعربية، فأنا أول رجل من العرب قرأه. قرأته مثل ما أقرأ القرآن، فيه سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد، قلت: فما صنعتم بالرجل، قال حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه عن الناس أن لا ينبشوه. قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون. قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: دانيال. قلت: منذ كم مات؟ قال: من ثلاثمائة سنة. قلت: ما تغير من شيء؟ قال: لا إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت