فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 294

ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف وعبدوه، فهم قد اتخذوا من قبور من لا يدانيه أوثانًا وجعلوا لها سدنة. وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير، فقطع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشجرة التي بويع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها. ولما رأى عمر الناس يذهبون فسأل عن ذلك فقيل: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصلون فيه. قال: إنما كان أهلك من كان قبلكم بمثل هذا كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعًا، فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها.

وقد أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحابة لما سألوه شجرة يعلقون عليها أسلحتهم بخصوصها ثم ذكر حديث ذات أنواط. فإذا كان اتخاذ الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها واتخاذها إله مع الله، وهم لا يعبدونها ولا يسألونها، فما الظن بالعكوف حول القبر ودعائه والدعاء عنده والدعاء به؟ وأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر لو كان اهل الشرك والبدع يعلمون؟

ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم في هذا الباب وغيره علم أن بين السلف وبينهم أبعد مما بين المشرق والمغرب، والأمر والله أعظم مما ذكرنا.

وفي صحيح البخاري عن أم الدرداء قالت: دخل أبو الدرداء مغضبًا، فقلت: ما لك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم إلا أنهم يصلون جميعًا. ا. هـ.

فتأمل رحمك الله تعالى كلام الشيخ رحمه الله تعالى وتصريحه بأن عبادة الأوثان قد وقعت في زمانه وتصريحه بعد ذكره لقصة دفن دانيال بأن أهل زمانه المتأخرين قد اتخذوا من قبور من لا يدانيه في المرتبة والفضل والصلاح أوثانًا، وأنهم لو وجدوه لجاهدوا عليه بالسيوف وعبدوه من دون الله، يتبين لك ما أصبح غالب الناس اليوم فيه من عبادة غير الله، ودعائهم، والاستغاثة بهم في الشدائد وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات، والإخلاص لهم في العبادات في أوقات الشدائد عند ركوبهم في البحر وغيره الذي لم يفعله المشركون الأولون كما أخبرنا الله عنهم بقوله: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) ، وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) .

فتأمل رحمك الله تعالى ما ذكر الله تعالى عن هؤلاء المشركين من إخلاص الدعوة لله في أوقات الشدائد، ثم تأمل ما يفعله المشركون في زماننا مما ذكرت لك، يتبين لك غربة الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأزمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت