فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 294

فإذا كان كلام أهل العلم، وتصريحهم بأن الشرك بالله غلب على أكثر النفوس، وأن القليل الذي تخلص منه، بل القليل من لا يعادي من أنكر الشرك، فما ظنك بزمانك هذا؟ ومعلوم أن الأمر لا يزداد إلا شدة وغربة، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه؟ أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه، ولكن الأمر كما قال الشيخ رحمه الله تعالى ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله صلى الله علي وسلم ومما عليه أهل الشرك والبدع اليوم في هذا الباب وغيره علم أن بينهما أبعد مما بين المشرق والمغرب، وهذه هي الفتنة التي قال فيها ابن مسعود رضي الله عنه: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، يتخذها الناس سنة، إذا غيرت قيل غيرت السنة؟ والله أعلم."

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والناس قد ابتلوا بالأنصاب والأزلام، فالأنصاب للشرك والأزلام لطلب علم ما استأثر الله به، هذه للعلم وتلك للعمل. ودين الله تعالى مضاد لهذا وهذا. وعمّى الصحابة قبر دانيال بأمر عمر رضي الله عنه، ولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بويع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها أرسل فقطعها. قال عيسى بن يونس: هو عندنا من حديث ابن عون عن نافع، فإذا كان هذا فعله في الشجرة التي ذكرها الله في القرآن وبايع تحتها الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فماذا حكمه فيما عداها؟

وأبلغ من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدم مسجد الضرار، ففيه دليل على هدم المساجد التي هي أعظم فسادًا منه كالبنية على القبور، وكذلك قبابها، فتجب المبادرة إلى هدم ما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعله، والله يقيم لدينه من ينصره ويذب عنه.

وكان بدمشق كثير من هذه الأنصاب فيسر الله سبحانه كسرها على يد شيخ الإسلام، وحزب الموحدين وكان العامة يقولون لشيء منها إنه يقبل النذر، أي يقبل العبادة من دون الله، فالنذر عبادة يتقرب بها الناذر إلى المنذر له، ولقد أنكر السلف التمسج بحجر المقام الذي أمر الله أن يتخذ منه مصلى، قال قتادة في الآية: إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها، ذكر لنا من رأى أثر أصابعه فما زالت هذه الأمة تمحسه حتى اخلولق.

وأعظم الفتنة بهذه الأنصاب فتنة أصحاب القبور، وهي أصل فتنة عباد الأصنام كما ذكر الله في سورة نوح في قوله: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) الآية. ذكر السلف في تفسيرها أن هؤلاء أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. وتعظيم الصالحين إنما هو باتباع الصالحين واتباع ما دعوا إليه دون اتخاذ قبورهم أعيادًا وأوثانًا، فأعرضوا عن المشروع واشتغلوا بالبدع. ومن أصغى إلى كلام الله وتفهمه أغناه عن البدع والآراء، ومن بعد عنه فلا بد أن يتعوض عنه بما لا ينفعه، كما أن من عمر قلبه بمحبة الله وخشيته والتوكل عليه أغناه عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، والمعرض عن محبة الله عبد الصور شاء أم أبى، والمعرض عن اتباع السنة مبتدع شاء أم أبى.

وهذه الأمور المبتدعة عند القبور (أنواع) : أبعدها عن الشرك أن يسأل الميت خاصة كما يفعله كثير، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت كما يتمثل لعباد الأصنام، وهذا يحصل للمشركين وأهل الكتاب، وكذلك السجود للقبر وتقبيله والتمسح به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت