فهرس الكتاب
ولما قحط الناس في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس وتوسل بدعائه وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك -إذا أجدبنا- بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري. وكذلك معاوية رضي الله عنه لما استسقى بأهل الشام توسل بيزيد عن الأسود الجرشي. فهذا الذي ذكره عمر رضي الله عنه توسل منهم بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته في حياته، ولهذا توسلوا بعده بدعاء العباس ودعاء يزيد بن الأسود، وهذا هو الذي ذكره الفقهاء في كتاب الاستسقاء فقالوا: يستحب أن يستسقى بالصالحين، وإذا كانوا من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أفضل.
وقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقوم الرجل عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لنفسه، وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف، وقد قال الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) الآية.
وفي التفسير الصحيح عن مجاهد (يبتغون إلى ربهم الوسيلة قال: عيسى بن مريم وعزير والملائكة. وكذلك عن إبراهيم النخعي قال: كان ابن عباس يقول في قوله:(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) هو عزير والمسيح والشمس والقمر.
وكذلك شعبة روى عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: عيسى وأمه والعزير. وعن عبد الله بن مسعود قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية، ثبت ذلك عنه في صحيح البخاري. وهذه الأقوال كلها حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابدًا لله، سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر، والسلف رضي الله عنهم في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله: ما معنى لفظ الخبز؟ فيريه رغيفًا فيقول: هذا. فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه. وليس مرادهم بذلك تخصيص نوع دون نوع مع شمول الآية للنوعين، فالآية خطاب لكل من دعا دون الله مدعوًا وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة ويرجو رحمته ويخاف عذابه، لكل من دعا ميتًا أو غائبًا من الأنبياء والصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها فقد تناولته هذه الآية كما تناول من دعا الملائكة والجن، ومعلوم أن هؤلاء كلهم يكونون وسائط فيما يقدره الله تعالى بأفعالهم، ومع هذا فقد نهى الله تعالى من دعائهم وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله. ولا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال: (وَلا تَحْوِيلًا) فذكر نكرة تعم أحوال التحويل، فكل من دعا ميتًا أو غائبًا من الأنبياء والصالحين أو دعا الملائكة أو دعا الجن، فقد دعا من لا يغيثه ولا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله، وقد قال تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) .
وقد نص الأئمة -كأحمد وغيره- على أنه لا يجوز الاستعاذة بمخلوق. وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، قالوا: لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بكلمات الله، وأمر بذلك، ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والتعاويذ التي لا يعرف معناها خشية أن يكون فيها شرك.