فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 294

ومما يبين حكمة الشريعة وعظم قدرها وأنها كما قيل كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، أن الذين خرجوا عن المشروع زين لهم الشيطان أعمالهم حتى خرجوا إلى الشرك، فطائفة من هؤلاء يصلون للميت ويستدبر أحدهم القبلة ويسجد للقبر ويقول أحدهم: القبلة قبلة العامة، وقبر الشيخ فلان قبلة الخاصة. وهذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهدًا، وهو شيخ متبوع ولعله من أمثل أتباع شيخه بقوله في شيخه، وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الصدق والاجتهاد في العبادة والزهد يأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ فيعكف عليه عكوف أهل التماثيل عليها.

وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع والدعاء وحضور القلب ما لا يجده أحدهم في مساجد الله التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وآخرون يحجون للقبور، وطائفة صنفوا كتاب مناسك حج المشاهد كما صنف أبو عبد الله محمد بن النعمان الملقب بالمفيد أحد شيوخ الإمامية كتابًا في ذلك وذكر فيه من الحكايات المكذوبة على أهل البيت ما لا يخفى كذبه على من له معرفة بالنقل، وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ وإن لم يسموا ذلك منسكًا وحجًا، فالمعنى واحد.

ومن هؤلاء من يقول: وحتى النبي الذي تحج إليه المطايا، فيجعل الحج إلى النبي لا إلى بيت الله عز وجل، وكثير من هؤلاء أعظم قصده من الحج قصد قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا حج البيت، وبعض الشيوخ المشهورين بالدين والزهد والصلاح صنف كتابًا بأسماء الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام. وهذا الضال استعان بهذا الكتاب، وقد ذكر في مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة وكان قبر النبي صلى الله عليه وسلم منتهى قصده ثم رجع ولم يذهب إلى مكة وجعل هذا من مناقبه، فإن كان مستحبًا فينبغي لمن يجب عليه حج أن يجعل المدينة منتهى قصده ولا يذهب إلى مكة فإنه زيادة كلفة ومشقة مع ترك الأفضل، وهذا لا يقول به عاقل.

وبسبب الخروج عن الشريعة صار بعض أكابر الشيوخ عند الناس ممن يقصده الملوك والقضاة والعلماء على طريقة ابن سبعين قيل عنه إنه كان يقول: البيوت المحجوبة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبلد الذي للمشركين بالهند، وهذا لأنه كان يعتقد أن دين اليهود حق ودين النصارى حق وجاءه بعض إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته فقال له: أريد أن أسلك على يديك. فقال: على دين اليهود أو النصارى أو المسلمين؟ فقال له: واليهود والنصارى ليسوا كفارًا؟ فقال: لا تشدد عليهم، ولكن الإسلام أفضل.

ومن هؤلاء من يرجح الحج إلى المقابر على الحج إلى البيت، ومنهم من يرجح الحج إلى البيت لكن قد يقول أحدهم: إنك إذا زرت قبر الشيخ مرتين أو ثلاثًا كان كحجة، ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ بمنزلة عرفات يسافرون إليها وقت الموسم فيعرفون بها كما يعرف المسلمون بعرفات، كما يفعل هذا في المغرب والمشرق، ومنهم من يجعل السفر إلى المشهد والقبر الذي يعظمه أفضل من الحج، ويقول أحدهم لأحد المريدين وقد حج سبع حجج إلى بيت الله العتيق: اتبعني زيارة قبر الشيخ بالحجج السبع؟ فشاور الشيخ، فقال: لو بعته لكنت مغبونًا! ومنهم من يقول: من طاف بقبر الشيخ سبعًا كان كحجة، ومنهم من يقول: زيارة المغارة الفلانية ثلاث مرات كحجة، ومنهم من يحكي عن الشيخ الميت أنه قال: كل خطوة إلى قبري كحجة، ويوم القيامة لا أبيع بحجة. وأنكر بعض الناس ذلك فتمثل له الشيطان بصورة الشيخ في منامه وزجره عن إنكار ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت