فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 294

وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير رب العالمين، فليسوا على ملة إمام الحنفاء، وليسوا من عمار مساجد الله الذين قال الله فيهم: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فعمار مساجد الله لا يخشون إلا الله، وعمار مشاهد القبور يخشون غير الله ويرجون غير الله، حتى أن طائفة من أرباب الكبائر الذين لا يخشون الله فيما يفعلونه من القبائح كان [أحدهم] إذا رأى قبة الميت أو الهلال الذي على رأس القبة يخشى من فعل الفواحش، ويقول أحدهم لصاحبه: ويحك هذا هلال القبة، فيخشون المدفون تحت الهلال ولا يخشون الذي خلق السموات والأرض وجعل أهل السماء مواقيت للناس والحج.

وهؤلاء إذا نوظروا حرفوا مناظرهم كما صنع المشركون بإبراهيم. قال تعالى: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا) إلى قوله: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) .

وآخرون وقد جعلوا الميت بمنزلة الإله، والشيخ الحي التعلق به كالنبي، فمن الميت تطلب قضاء الحاجات وكشف الكربات، وأما الحي فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه، وكأنهم في أنفسهم قد عزلوا الله عن أن يتخذوه إلهًا، وعزلوا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يتخذوه رسولًا، وقد يجيء الحديث العهد بالإسلام أو التابع لهم الحسن الظن بهم وغيره يطلب من الشيخ الميت إما دفع ظلم ملك يريد أن يظلمه أو غيره ذلك فيدخل ذلك السادن فيقول قد قلت للشيخ، والشيخ يقول للنبي، والنبي يقول لله، والله قد بعث رسولًا إلى السلطان فلان. فهل هذا إلا محض دين المشركين والنصارى، وفيه من الكذب والجهل ما لا يستجيزه كل مشرك ونصراني ولا يروج عليه!

ويأكلون من النذور والمنذور وما يؤتى به إلى قبورهم ما يدخلون به في قوله تعالى: (إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) يعرضون بأنفسهم ويمنعون غيرهم، إذ التابع لهم يعتقد أن هذا هو سبيل الله ودينه، فيمتنع بسبب ذلك من الدين الحق الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتبه، والله تعالى لم يذكر في كتابه المشاهد، بل ذكر المساجد وأنها خالصة له، قال تعالى: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) وقال تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ) الآية، وقال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) الآية، وقال تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ) الآية. ولم يذكر بيوت الشرك كبيوت الأصنام والمشاهد، ولا ذكر بيوت النار. لأن الصوامع والبيع لأهل الكتاب، فالممدوح من ذلك ما كان مبنيًا قبل النسخ والتبديل، كما أثنى على اليهود والنصارى والصابئين الذين كانوا قبل النسخ والتبديل، يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون الصالحات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت