فهرس الكتاب
فبيوت الأوثان وبيوت النيران وبيوت الكواكب وبيوت المقابر لم يمدح الله شيئًا منها ولم يذكر ذلك إلا في قصة من لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) فهؤلاء الذين اتخذوا مسجدًا على أهل الكهف كانوا من النصارى الذين لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"-وفي رواية -"والصالحين"ودعاء المقبورين من أعظم الوسائل إلى ذلك.
وقد قدم بعض شيوخ المشرق وتكلم معي في هذا، فبينت له فساد هذا، فقال: أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور"؟ فقلت: هذا مكذوب باتفاق أهل العلم، لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد من علماء الحديث. وبسبب هذا وأمثاله ظهر مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصخيخ:"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال:"فمن".
وهؤلاء الغلاة المشركون إذا حصل لأحدهم مطلوبه ولو من كافر لم يقبل على الرسول، بل يطلب حاجته من حيث يظن أنها تُقضى، فتارة يذهب إلى ما يظنه قبر رجل صالح ويكون فيه قبر كافر أو منافق، وتارة يعلم أنه كافر أو منافق ويذهب إليه، كما يذهب قوم إلى كنيستهم أو إلى مواضع يقال لهم إنها تقبل النذر، فهذا يقع فيه عامتهم.
وأما الأول فيقع فيه خاصتهم، حتى أن بعض أصحابنا المباشرين لقضاء القضاة لما بلغه أني أنهى عن ذلك صار عنده من ذلك شبهة ووسواس، لما يعتقد من الحق فيما أذكره، ولما عنده من المعارضة، ولذلك قال لبعض أصحابنا سرًا: أنا جربت إجابة الدعاء عند قبر بالقرافة، فقال له ذلك الرجل: فأنا أذهب معك إليه لتعرف قبر من هو، فذهبا إليه، فوجدا مكتوبًا عليه (قبر علي) ، فعرفوا أنه إما رافضي وإما إسماعيلي.
وكان بالبلد جماعة كثيرون يظنون في العبيدين أنهم أولياء الله الصالحون، فلما ذكرت لهم أن هؤلاء كانوا منافقين زنادقة، وخيار من فيهم الرافضة، جعلوا يتعجبون ويقولون: نحن نذهب بالفرس التي فيها مغل إلى قبورهم فتشفى عند قبورهم. فقلت لهم: هذا من أعظم الأدلة على كفرهم، وطلبت طائفة من سياس الخيل. فقلت: أنتم بالشام ومصر إذا أصاب الخيل المغل أين تذهبون بها؟ فقالوا: في الشام نذهب بها إلى قبور اليهود والنصارى، وإذا كنا بأرض الشمال نذهب بها إلى القبور التي ببلاد الإسماعيلية كالعليقة والمنيعة ونحوهما. وأما في مصر فنذهب بها إلى دير هنا للنصارى، ونذهب إلى قبور هؤلاء الأشراف -وهم يظنون أن العبيديين أشراف لما أظهروا أنهم من أهل البيت. فقلت: هل تذهبون بها إلى قبور صالحي المسلمين مثل الليث بن سعد والشافعي وابن القاسم ونفيسة وغير هؤلاء؟ فقالوا: لا. فقلت لأولئك: اسمعوا، إنما يذهبون بها إلى قبور الكفار والمنافقين، وبينت لهم سبب ذلك، فقلت: لأن هؤلاء يعذبون في قبورهم والبهائم تسمع أصواتهم، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، فإذا سمعت ذلك فزعت فبسبب الرعب الذي يحصل لها فتنحل بطونها فتروث، فإن الفزع يقتضي الإسهال، فتعجبوا من ذلك. وهذا المعنى كثيرًا ما كنت أذكره للناس، ولم أعلم أن أحدًا قاله، ثم وجدته قد ذكره بعض العلماء.