فهرس الكتاب
والمقصود هنا أن كثيرًا من الناس يعظم قبر من يكون في الباطن كافرًا أو منافقًا ويكون هذا عنده والرسول من جنس واحد، لاعتقاده أن الميت يقضي حاجته إذا كان رجلًا صالحًا، وكلا هذين عنده من جنس من يستغيث به. وكم من مشهد يعظمه الناس وهو كذب، بل يقال إنه قبر كافر، كالمشهد الذي يسفح جبل لبنان الذي يقال له إنه قبر نوح، فإن أهل المعرفة يقولون إنه قبر بعض العمالقة، وكذلك مشهد الحسين الذي بالقاهرة وقبر أبي كعب الذي في دمشق اتفق العلماء أنه كذب، ومنهم من قال هما قبران لنصرانيين، وكثير من المشاهد متنازع فيها، وعندها شياطين تضل بسببها من تضل.
ومنهم من يرى في المنام شخصًا يظن أنه المقبور، ويكون ذلك شيطانًا تصور بصورته أو بغير صورته، كالشياطين التي تكون بالأصنام وكالشياطين الذين يتمثلون لمن يستغيث بالأصنام والموتى والغائبين، وهذا كثير في زماننا وغيره، مثل أقوام يرصدون بعض التماثيل التي بالبرابي بديار مصر بإخميم وغيرها يرصدون التمثال مدة لا يتطهرون طهور المسلمين، ولا يصلون صلاة المسلمين، ولا يقرأون حتى يتعلق الشيطان تلك الصورة فيراها تتحرك فيضع فيها شمعة أو غيرها، فيرى شيطانًا قد خرج له فيسجد لذلك الشيطان حتى يقضي بعض حوائجه، وقد يمكنه من فعل الفاحشة به حتى يقضي حوائجه، ومثل هؤلاء كثير من شيوخ الترك الكفار يسمونه البوي وهو المتخنث إذا طلبوا منه بعض هذه الأمور أرسلوا له من ينكحه وينصبون له حركات عالية في ليلة ظلماء وقربوا له خبزًا وميتة وغنوا غناء يناسبه بشرط أن لا يكون عندهم من يذكر الله ولا هناك شيء فيه من ذكر الله، ثم يصعد ذلك الشيخ المفعول به في الهواء ويرون الدف يطير في الهواء ويضرب من مد يده إلى الخبز، ويضرب الشيطان بآلات اللهو وهم يسمعون ويغني لهم الأغاني التي كانت تغنيها آباؤهم الكفار، ثم قد يغيب، ولذلك الطعام فيرونه وقد نقل إلى بيت البوي وقد لا يغيب ويقربون له ميتة يحرقونها بالنار ويقضي بعض حوائجهم.
ومثل هذا كثير جدًا للمشركين فالذي يجري عند المشاهد من جنس ما يجري عند الأصنام، وقد ثبت بطرق متعددة أن ما يشرك به من دون الله من صنم وقبر وغير ذلك قد يكون عنده شياطين تضل من أشرك به، وإن تلك الشياطين لا يقضون إلا بعض أغراضهم، وإنما يقضونها إذا حصل منهم الشرك والمعاصي ما يحبه الشيطان، فمنهم من يأمر الداعي أن يسجد له، ومنهم من يأمره بالفواحش وقد يفعلها الشيطان، وقد ينهاه عما أمر الله به من التوحيد والإخلاص والصلوات الخمس وقراءة القرآن ونحو ذلك، والشياطين تغزي الإنسان بحسب ما تطمع منه فإن كان ضعيف الإيمان أمرته بالكفر وإلا أمرته بما هو فسق أو معصية، وإن كان قليل العلم أمرته بما لا يعرف أنه مخالف للكتاب والسنة.