فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 294

وآخر يقول معظمًا لمن يدعو إلى التوحيد: قد جعل الآلهة إلهًا واحدًا. وهؤلاء الضالون مستخفون بتوحيد الله، ويعظمون دعاء غير الله من الأموات، وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك استخفوا به كما أخبر تعالى عن المشركين بقوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا) الآية، فاستهزءوا بالرسول لما نهاهم عن الشرك. وقال تعالى عن المشركين: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) قال تعالى: (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) وقال تعالى: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) وذكر رحمه الله أشياء كثيرة.

وما زال المشركون يسفهون الأنبياء ويصفونهم بالجنون والضلال والسفاهة كما قال قوم نوح لنوح وعاد لهود عليهما السلام: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ) فأعظم ما سفهوه لأجله وأنكروه هو التوحيد، وهكذا تجد من عليه شبة من هؤلاء من بعض الوجوه إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله وإخلاص الدين له وأن لا يعبد الإنسان إلا الله ولا يتوكل إلا عليه اسهتزأ بذلك لما عنده من الشرك، وكثير من هؤلاء يخربون المساجد، فتجد المسجد الذي بني للصلوات الخمس معطلًا مخربًا ليس له كسوة إلا من الناس وكأنه خان من الخانات، أما المشهد الذي بني على الميت فعليه الستور وزينة الذهب والفضة والرخام والنذور تغدو وتروح إليه فهل هذا إلا من استخفافهم بالله وآياته ورسوله وتعظيمهم للشرك؟ فإنهم اعتقدوا أن الميت الذي بني له المشهد والاستغاثة به أنفع لهم من دعاء الله تعالى والاستغاثة به في البيت الذي بني لله عز وجل؛ ففضلوا البيت الذي بني لدعاء المخلوق، وإذا كان لهذا وقف ولهذا وقف كان وقف الشرك أعظم عندهم منه، مضاهاة لمشركي العرب الذين ذكر الله حالهم في قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) كما يجعلون لله زرعًا وماشية ولآلهتهم زرعًا وماشية، فإذا أصيب نصيب آلهتهم أخذوا من نصيب الله تعالى فوضعوه فيه وقالوا: الله غني وآلهتنا فقيرة، فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل الله، وهكذا هؤلاء الوقوف والنذور التي تبذل عندهم للمشاهد أعظم مما تبذل عندهم للمساجد ولعمارة المساجد والجهاد في سبيل الله، وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه بكى عنده وخضع ويدعو ويتضرع ويحصل له الرقة والتواضع والعبودية وحضور القلب ما لا يحصل له في الصلوات الخمس والجمعة وقيام الليل وقراءة القرآن، فهل هذا إلا من حال المشركين المبتدعين، لا الموحدين المخلصين المتبعين لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت