فهرس الكتاب
ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم سماع الأبيات يحصل له الحضور والخشوع والبكاء ما لا يحصل له مثله عند سماع آيات الله تعالى، فيخشع عند سماع المبتدعين المشركين، ولا يخشع عند سماع المتقين المخلصين، بل إذا سمعوا آيات الله اشتغلوا عنها وكرهوها واستهزءوا بها وبمن يقرأها ما يحصل لهم به أعظم نصيب من قوله: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) ، وإذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية، وألسن لاغية، كأنهم صم عمي، وإذا سمعوا الأبيات حضرت قلوبهم وسكتت ألسنتهم وسكتت حركاتهم حتى لا يشرب العطشان منهم ماء.
ومن هؤلاء من إذا كانوا في سماعهم فأذن المؤذن قال: نحن في شيء أفضل مما دعانا إليه، ومنهم من يقول كنا في الحضرة فإذا قمنا إلى الصلاة صرنا إلى الباب، وقد سألني بعضهم عمن قال ذلك من هؤلاء الشيوخ الضلال فقلت: كذب، كان في حضرة الشيطان فصار على باب الله، فإن البدع والضلال فيها من حضور الشيطان ما قد فصل في غير هذا الموضع.
والذين يجعلون دعاء الموتى من الأنبياء والأئمة والشيوخ أفضل من دعاء الله أنواع متعددة، منهم من تقدم ومنهم من يحكي أنواعًا من الحكايات: حكاية أن بعض المريدين استغاث بالله ولم يغثه واستغاث بشيخه فأغاثه، وحكاية أن بعض المأسورين في بلاد العدو دعا الله فلم يخرجه فدعا بعض المشايخ الموتى فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام، وحكاية أن بعض الشيوخ قال لمريده: إذا كانت لك إلى الله حاجة فتعال إلى قبري، وآخر قال: فتوسل إلى الله بي، وآخر قال: قبر فلان هو الترياق المجرب.
فهؤلاء وأشباههم يرجحون هذه الأدعية على أدعية المخلصين لله مضاهاة لسائر المشركين. وهؤلاء تتمثل لكثير منهم صورة شيخه الذي يدعوه فيظنه إياها أو ملكًا على صورته، وإنما هو شيطان أغواه. ومن هؤلاء ممن إذا نزلت به شدة لا يدعو إلا شيخه ولا يذكر إلا اسمه قد لهج به كما يلهج الصبي بذكر أمه فيستنصر به أحدهم فيقول: يا فلان، وقد قال الله تعالى للموحدين: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) .
ومن هؤلاء من يحلف بالله ويكذب ويحلف بشيخه وإمامه ويصدق ولا يكذب، فيكون شيخه عنده وفي صدره أعظم من الله، فإذا كان دعاء الموتى مثل الأنبياء والصالحين يتضمن هذا الاستهزاء بالله وآباته ورسوله، فأي الفريقين أحق بالاستهزاء بالله وآياته ورسوله: من كان يأمر بدعاء الموتى والاستغاثة بهم مع ما يترتب على ذلك من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، أو من كان يأمر بدعاء الله وحده لا شريك له كما أمرت رسله ويوجب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومتابعته في كل ما جاء به؟