فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 294

(الثالث) أنه أدرج سؤاله أيضًا في الاستغاثة به، وهذا صحيح جائز في حياته، وهو قد سوى في ذلك بين محياه ومماته صلى الله عليه وسلم، وهنا أصاب في لفظ الاستغاثة لكن أخطأ في التسوية بين المحيا والممات، وهذا ما علمته بنقل عن أحد من العلماء لكنه موجود في كلام بعض الناس مثل الشيخ يحيى الصرصري ففي شعره قطعة منه، والشيخ محمد بن النعمان له كتاب المستغيثين بالنبي عليه السلام في اليقظة والمنام، وهذا الرجل قد نقل منه فيما يغلب على ظني، وهؤلاء لهم صلاح ودين لكنهم ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي ولا نقلي عن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها كما جرت عادة كثير من الناس بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه. وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم -ولهم فضل وعلم وزهد- إذا نزل بهم أمر خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات معدودة واستغاث به، وهذا يفعله كثير من الناس، ولهذا لما نبه من نبه من فضلاتهم تنبهوا وعلموا أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام، بل هو مشابهة لعبادة الأصنام.

لكن هؤلاء كلهم لا يعد نفي هذا والنهي عنه كفرًا، إلا مثل هذا الأحمق الضال، الذي حاق به وبيل النكال، فإنه من غلاة أهل البدع الذين يبتدعون القول ويكفرون من خالفهم فيه كالخوارج والروافض والجهمية، فإن هذا القول الذي قاله لم يوافقه عليه أحد من علماء المسلمين لا الأولين ولا الآخرين، وقد طاف بجوابه على علماء مصر ليوافقه واحد منهم فما وافقوه، وطلب منهم أن يخالفوا الجواب الذي كتبته فما خالفوه، وقد كان بعض الناس يوافقه على جواز التوسل بالنبي الميت، لكنهم لم يوافقوه على تسميته استغاثة، ولا على كفر من أنكر الاستغاثة به، ولا جعل هذا من السب، بل عامتهم وافقوا على منع الاستغاثة به بمعنى أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وما علمت عالمًا نازع في أن الاستغاثة بالنبي وغيره من المخلوقين بهذا المعنى لا تجوز، مع أن قومًا ما كان لهم غرض وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك قيامًا عظيمًا واستغاثوا بمن كان له غرض من ذوي السلطان، وجمعوا الناس وعقدوا مجلسًا عظيمًا ضل فيه سعيهم، وظهر فيه جهلهم، وخاب فيه قصدهم، وظهر فيه الحق لمن يعاونهم من الأعيان، وتمنوا أن ما فعلوه ما كان، لأنه كان سببًا لظهور الحق مع الذين عادوه وقاموا عليه، وسبب الانقلاب الخلق إليه؛ وكانوا كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه، مع فرط تعصبهم وكثرة جمعهم وقوة سلطانهم، ومكايد شيطانهم.

وهذه الطريقة التي سلكها هذا وأمثاله هي طريقة أهل البدع الذين يجمعون بين الجهل والظلم، فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم كالخوارج المارقين، وكذلك الروافض الذين كفروا من خالفهم من الصحابة وجمهور المؤمنين، حتى كفروا أبا بكر وعمر وعثمان ومن والاهم وأئمة السنة والجماعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت