فهرس الكتاب
وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون فيمن خرج عنها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) الآية، وقال تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) الآية، فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله، وكذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفر الله ورسوله، وأيضًا فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئًا من الدين يكفر، ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين الخمر -كقدامة بن مظعون وأصحابه، وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحًا على ما فهموه من آية المائدة- اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون فإن أصروا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا به جلدوا، فلا يكفرهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق، فإذا أصروا على الجحود كفروا، وقد ثبت في الصحيحن حديث الذي قال لأهله: إذا أنا مت فاسحقوني ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين. فأمر الله البر فرد ما أخذ منه، وأمر البحر فرد ما أخذ منه، وقال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك يا رب. فغفر له.
فهذا اعتقد أنه إذا فعل ذلك لا يقدر الله على إعادته، وأنه لا يعيده، أو جوز ذلك وكلاهما كفر، لكن كان جاهلًا لم يتبين له الحق بيانًا يكفر بمخالفته فغفر الله له. ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله تعالى فوق العرش: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم.
وهو قد احتج بحديث الأعلى الذي قال: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة. وهذا الحديث لا حجة فيه لوجهين: أحدهما أنه ليس هو استغاثة بل توجهًا به، والثاني أنه إنما توجه بدعائه وشفاعته، فإنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء وقال في آخره:"اللهم فشفعه في"فعلم أنه شفع له، فتوسل بشفاعته لا بذاته كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء وكما توسلوا بدعاء العباس بعد مماته.
وكذلك في أول الحديث أنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، فيدل الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع له ودعا له، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يدعو الله تعالى وأن يسأله قبول شفاعته.
وقوله: يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، خطاب لحاضر في قلبه، كما نقول في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي ورحمةالله وبركاته، كما يستحضر الإنسان من يحبه ويبغضه في قلبه ويخاطبه، وهذا كثير.
وما ذكره من توسل آدم وحكاية المنصور فجوابها على وجهين: أحدهما أن هذا لا أصل له ولا تقوم به حجة ولا إسناد لذلك، والثاني أنه لم يدل على التوسل بذاته ولا على الاستغاثة. وأما اشتكاء البعير إليه فهذا كاشتكاء الآدمي إليه، وما زال الناس يستغيثون به في حياته كما يستغيثون به في القيامة.