فهرس الكتاب
فقلت لهم: هؤلاء الذين يستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، فإنه قضى أن العسكر ينكسر لأسباب اقتضت ذلك، والحكمة كانت لله عز وجل في ذلك، ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر بإخلاص الدين لله والاستغاثة به، وأنهم لا يستغيثون إلا إياه، لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل. فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرًا لم يتقدم له نظير، ولم يهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلًا، لما صح من توحيد الله وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك، فإن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، كما قال تعالى في يوم بدر: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) الآية.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر كان يقول:"يا قيوم لا إله إلا إنت برحمتك أستغيث"وفي لفظ:"أصلح ليس شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك"، وهؤلاء يدعون المميت والغائب فيقول أحدهم: بك أستغيث، بك أستجير، أغثنا، أجرنا. ويقول: أنت تعلم ذنوبي، ومنهم من يقول للميت: اغفر لي وارحمني وتب علي ونحو ذلك، ومن لم يقله من عقلائهم فإنه يقول: أشكو إليك ذنوبي، وأشكو إليك عدوي، وأشكو إليك جور الولاة، وظهور البدع، وجذب الزمان وغير ذلك. فيشكو إليه ما حصل من ضرر في الدين والدنيا، مقصوده بالشكوى أن يشكيه فيزيل ذلك الضرر، وقد يقول مع ذلك، أنت تعلم ما نزل بنا من الضرر، وأنت تعلم ما فعلته من الذنوب، فيجعل الميت أو الحي الغائب عالمًا بذنوب العباد وجزئياتهم التي يمتنع أن يعلمها بشر حي أو ميت.
ثم منهم من يطلق سؤاله والشكوى ظانًا أنه يقضي حاجته كما يخاطب بذلك ربه بناء على أنه يمكنه ذلك بطريق من الطرق، وأنه وسيلة وسبب وإن كان السائل لا يعلم وجه ذلك، وعقلاؤهم يقولون مقصودنا أن يسأل الله لنا، ويظنون أنهم إذا سألوه بعد موته أن يسأل الله لهم فإنه يسأل ويشفع كما يسأل ويشفع لما سأله الصحابة رضي الله عنهم الاستسقاء وغيره، وكما يشفع يوم القيامة إذا سئل الشفاعة، ولا يعلمون أن سؤال الميت أو الغائب غير مشروع البتة، ولم يفعلهما أحد من الصحابة، بل عدلوا عن سؤاله وطلب الدعاء منه إلى سؤال غيره وطلب الدعاء منه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والصالحين وغيرهم لا يطلب منه بعد موته من الأمور ما كان يطلب منه في حياته. والله أعلم. اهـ. ملخصًا.
فتأمل رحمك الله تعالى كلامه ساعة بعد ساعة ويومًا بعد يوم وشهرًا بعد شهر وسنة بعد سنة لعلك أن تعرف دين الإسلام الذي بعث الله به جميع رسله وأنزل به جميع كتبه، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ، وقال تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) الآية.