فهرس الكتاب
ثم تأمل ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى من أنواع الشرك الأكبر الذي قد وقع في زمانه لمن يدعي العلم والمعرفة وينتصب للفتيا والقضاء، لكن لما نبههم الشيخ على ذلك وبين لهم أن هذا هو الشرك الذي حرمه الله ورسوله تنبهوا وعرفوا أن ما هم عليه شرك وضلال، وانقادوا للحق -وأن بعضهم لما بين له ذلك قال: هذا أحسن ما بينه لنا -يتبين لك غربة الإسلام وهذا مصداق ما تواترت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لتتبعن سنن من كان قبلكم"، الحديث.
وتأمل أيضًا ما وقع من هذا الرجل وتجويزه الاستغاثة بغير الله، وأنه يجوز الاستغاثة بغير الله وأنه يجوز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث الله به واحتجاجه على ذلك بمتشابه القرآن والسنة، ويكفر من قال لا يستغاث إلا بالله، وبالأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، من كشف الشدائد، وإنزال الفوائد. ثم تأمل رد الشيخ رحمه الله تعالى بالآيات المحكمات، والبراهين القاطعات، من الأحاديث الصريحات، يتبين لك الأمر إن هداك الله، وتنزاح عنك الشبهة التي أدخلت كثيرًا من الناس النار، وهي الاغترار بما عليه الآباء والأجداد وما استمر عليه عمل كثير من أهل البلاد.
ومن أعجب ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى عن هؤلاء المشركين في زمانه أن أحدهم يسجد للقبر ويستدبر القبلة ويقول أحدهم: القبلة قبلة العامة، وقبر الشيخ فلان قبلة الخاصة. قال رحمة الله عليه: هذا يقوله من أكثر الناس عبادة وزهدًا، وهو شيخ متبوع. قلت: كالذي يشاهد اليوم في زماننا يفعل في مشهد علي وغيره من المشاهد والمساجد المبنية على القبور من الرقة والخشوع والبكاء أعظم مما يجدون في بيوت الله، بل إذا قام أحدهم في الصلاة بين يدي الله نقرها نقر الغراب، ومنهم من يحلف بالله اليمين الغموس كاذبًا، فإذا قيل له احلف وتربة فلان أو بفلان أبى أن يحلف كاذبًا، فيكون فلان أو تربته والشيخ فلان أعظم في صدره من الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون ما أعظمها من مصيبة، تالله إنها فتنة عمّت فأعمت، وربت على القلوب والأسماع فأصمّت.
وتأمل أيضًا رحمك الله تعالى قول الشيخ رحمه الله تعالى: وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء. لكنه موجود في كلام بعض الناس مثل الشيخ يحيى الصرصري والشيخ محمد بن النعمان، وإن هؤلاء وأشباههم ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال من الحرام، فإن الشيخ يحيى الصرصري الحنبلي في شعره قطعة من دعوة الرسل والاستغاثة بهم، كذلك غيره من المصنفين في الزيارة، فإياك أن تغتر بذلك أو تقلدهم في ذلك، فإنه ليس لهم في ذلك مستند صحيح لا من كتاب ولا سنة ولا نقل عن عالم مرضي، بل كما قال الشيخ رحمه الله تعالى عادة جروا عليها فلا يقتدى بهم في ذلك، وإنما يقتدى في الدين بكلام رب العالمين وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأًصحابه رضي الله عنهم أجمعين.
فهل تجد أحد الصحابة أو التابعين لهم بإحسان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته واستغاث به أو استشفع به إلى ربه وقال: يا رسول الله اشفع لي إلى ربك واقض ديني أو فرج كربتي أو انصرني أو اغفر لي ذنبي، بل جردوا التوحيد لله تعالى وحموا جانبه، ولهذا كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وغيره من الصحابة إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم يقف فيقول: السلام عليك يا رسول الله، ثم يقف فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، ثم يقف فيقول: السلام عليك يا أبت.
وإذا أراد أحدهم الدعاء جعل ظهره إلى جدار القبر واستقبل القبلة إذا أراد ان يدعو حتى لا يدعو عند القبر.