فهرس الكتاب
وذكر الإمام أحمد وغيره أنه يستقبل القبلة ويجعل القبر عن يساره لئلا يستدبره وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام عليه، ثم يدعو لنفسه. وذكروا أنه إذا حيّاه وصلى عليه يستقبل وجهه -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم- فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا الله.
وذكر أصحاب مالك أنه يدنو من القبر فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو مستقبل القبلة يوليه ظهره، وقيل لا يوليه ظهره وإنما اختلفوا لما فيه من استدباره صلى الله عليه وسلم، وأما إذا جعل الحجرة عن يساره فقد زال المحذور بلا خلاف.
وقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يصلي ويسلم فهذا هو هدي السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان والأئمة الأربعة، وما أحسن ما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنيبيائهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوا من البدع الشرك وغيره، ولهذا كرهت الأئمة استلام القبر وتقبيله، وبنوا بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه والله أعلم.
وتأمل أيضًا قول الشيخ رحمه الله تعالى في آخر الكلام: ولا ريب أن أصل قول هؤلاء هو الشرك الأكبر، والكفر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وأن ذلك يستلزم الردة عن الدين، والكفر برب العالمين كيف صرح بكفر من فعل هذا أو ردته عن الدين إذا قامت عليه الحجة من الكتاب والسنة، ثم أصر على فعل ذلك. وهذا لا ينازع فيه من عرف دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
فصل
وقال في الإقناع وشرحه (باب حكم المرتد) وهو الذي يكفر بعد إسلامه نطقًا أو اعتقادًا أو شكًا أو فعلًا ولو مميز، فتصح ردته كإسلامه لا مكرهًا لقوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) ولو هازلًا لعموم قوله تعالى: (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ) الآية.
وأجمعوا على وجوب قتل المرتد، فمن أشرك بالله تعالى كفر بعد إسلامه لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) أو جحد ربوبيته أو وحدانيته كفر لأن جاحد ذلك مشرك بالله تعالى، أو جحد صفة من صفاته أو اتخذ له صاحبة أو ولدًا كفر، أو ادعى النبوة أو صدق من ادعاها بعد النبي صلى الله عليه سلم كفر، لأنه مكذب لقوله تعالى: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) أو جحد نبيًا أو كتابًا من كتب الله أو شيئًا منه، أو جحد الملائكة أو واحدًا ممن ثبت أنه ملك كفر لتكذيبه القرآن، أو حجد البعث كفر، أو سب الله ورسوله كفر، أو استهزأ بالله وكتبه أو رسله كفر، لقوله: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ) الآية.