فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 294

قال: ولهذا ما بُينت هذه المسألة لمن يعرف أصل الإسلام وإلا تفطن لها وقال هذا أصل دين الإسلام، وكان بعض أكابر الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذا أعظم ما بينته لنا، لعلمه بأن هذا أصل الدين. انتهى.

فقوله رحمه الله: لم يمكن تكفيرهم حتى يبين لهم ما جاء به الرسول، أي لم يمكن تكفيرهم بأشخاصهم وأعيانهم بأن يقال فلان كافر ونحوه، بل يقال هذا كفر ومن فعله كافر، أطلق رحمه الله الكفر على فاعل هذه الأمور ونحوها في مواضع لا تحصى، وحكى إجماع المسلمين على كفر فاعل هذه الأمور الشركية، وصرح بذلك رحمه الله في مواضع، كما قال في أثناء جواب له في الطائفة القلندرية، قال بعد كلام كثير: وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر في الكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر مطلق كما دل على ذلك الدليل الشرعي، فإن الإيمان والكفر من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس مما يحكم الناس فيه بظنونهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى تثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه، مثل من قال: إن الزنا أو الخمر حلال لقرب عهده بالإسلام أو نشوئه ببادية بعيدة.

وقال رحمه الله في موضع آخر في أثناء كلام له على هذه المسألة: وحقيقة الأمر في ذلك أن القول يكون كفرًا فيطلق القول بتكفير صاحبه ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم الحجة التي يكفر تاركها. فهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) الآية. فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز ألا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع، فقد لا يكون بلغه التحريم، وقد يتوب من فعل المحرم، وقد يكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في شرح المنازل: ومن أنواعه - أي الشرك - طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن يملكه لمن استغاث به أو سأله أن يشفع له. وقال في أثناء كلام له: فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله ولو كانت ما كانت، ويقولون إن هذا الحجر وهذه العين تقبل النذر، أي تقبل العبادة من دون الله، فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له.

وقال في الهدى في فوائد غزوة الطائف: ومنها أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي من أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها بعد القدرة البتة. وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله والأحجار التي تقصد بالتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، فلا يجوز إبقاء شئ منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى بل أعظم شركًا عندها وبها والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت