فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 294

ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتحيي وتميت، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرًا شبرًا وذراعًا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء وغلبت السفهاء، وتفاقم الأمر واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، انتهى. والأمر كما قال رحمه الله أن سبب حدوث الشرك ظهور الجهل وخفاء العلم وقلة العلماء وغلبة السفهاء.

فتبين لطالب الحق أن من جادل عن المشركين وسهل عليهم ما ارتكبوه من الشرك واحتج لهم بالحجج الباطلة أنه فاقد أصل العلم، فيستحق أن يوصف بالجهل وإن كان له اشتغال بأنواع من العلوم القليل نفعها، ففي هذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة"، وما أحسن ما قال ابن المبارك رحمه الله تعالى:

وهل أفسد الدين إلا الملوك ... / ... وأحبار سوء ورهبانها

ويروى أن هلاك من كان قبلنا كان على أيدي قرائهم وفقهائهم فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال ابن القيم رحمه الله: ومن ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب إليه بما يجب فقد عبده وإن لم يسم ذلك عبادة ويسميه استخدامًا، وصدق، وهو استخدام من الشيطان. وقال رحمه الله تعالى أيضًا:

والشرك فاحذره فشرك ظاهر ... / ... ذا القسم ليس بقابل الغفران

وهو اتخاذ الند للرحمن أيًا ... / ... كان من حجر ومن إنسان

يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ... / ... ويحبه كمحبة الدّيان

والله ما ساووهم بالله في ... / ... خلق ولا رزق ولا إحسان

لكنهم ساووهم بالله في ... / ... حب وتعظيم وفي إيمان

جعلوا محبتهم مع الرحمن ما ... / ... جعلوا المحبة قط للرحمن

وقال شيخ الإسلام: وأما ما نذره لغير الله كالنذر للأصنام و الشمس والقمر والقبور ونحو ذلك فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات، والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوق ليس عليه وفاء ولا كفارة لأن كليهما شرك والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من العقد ويقول ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم:"من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله". انتهى.

قوله (فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله) أي في عدم الانعقاد، ولأن النذر عبادة بخلاف الحلف.

وقال أيضًا: قوله: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) ظاهره أنه ما ذبح لغير الله مثل أن يقول هذه ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ، تحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم وقيل فيه باسم المسيح ونحوه، لأن ما ذبحناه متقربين إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا فيه باسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح والزهرة وقصد به ذلك أولى، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله، فعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربًا إليه لحرم وإن قال فيه بسم الله كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والنذور ونحو ذلك إن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت