فهرس الكتاب
ومن هذا الباب ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن، قال: ولهذا كان عباد الشيطان والأصنام يذبحون الذبائح، فالذبح للمعبود غايته الذل والخضوع، ولهذا لم يجز الذبح لغير الله. وقال في موضع آخر: والمسلم إذا ذبح لغير الله أو ذبح بغير اسمه لم تبح ذبيحته وإن كان يكفر بذلك. إلى أنه قال: ولأن الذبح لغير الله وباسم غيره قد علم أنه ليس من دين الإسلام، بل هو من الشرك الذي أحدثوه. قال: وقول الشيخ أنذروا لي لتقضى حاجتكم أو استعينوا بي إن أصر ولم يتب قتل.
وقال أبو محمد البربهاري شيخ الحنابلة في وقته في عقيدته: ولا نخرج أحدًا من أهل القبلة عن الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله أو يرد شيئًا من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يصلي لغير الله أو يذبح لغير الله فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام، في كلام كثير ذكره انتهى. سمع البربهاري من المروذي وغيره.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: رأيت لأبي الوفاء بن عقيل فصلًا حسنًا فذكرته بلفظه قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد السرج وتقبيلها وتخليقها وخطاب أهلها بالحوائج وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركًا وإفاضة الطيب على القبور وشد الرحال إليها وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى. والويل عندهم لمن يقبل مشهد الكف ولم يتمسح بالآجر يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته، أبو بكر الصديق ومحمد وعلي، ولم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه ولم يرق ماء الورد على القبر. انتهى.
فانظر إلى تكفير ابن عقيل لهم مع إخباره بجهلهم.
وقال الشيخ قاسم الحنفي في شرح درر البحار: النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد الآن كأن يكون لإنسان غائب أو مريض أو له حاجة ضرورية فيأتي إلى قبر بعض الصلحاء ويجعل على رأسه سترة ويقول: يا سيدي فلان إن رد الله غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك من الذهب كذا أو من الفضة كذا أو من الطعام كذا أو من الماء كذا أو من الشمع كذا، فهذا باطل بالإجماع لوجوه: منها أنه نذر لمخلوق والنذر لمخلوق لا يجوز لأنه عبادة والعبادة لا تكون لمخلوق، ومنها أن المنذور له ميت والميت لا يملك، ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله واعتقاد ذلك كفر، إلى أن قال: إذا علمت ذلك فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربًا إليهم فحرام بإجماع المسلمين.
وقال النووي في شرح مسلم على قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لعن الله من ذبح لغير الله"المراد به أن يذبح بغير اسم الله كمن يذبح للصنم أو للصليب أو لموسى أو لعيسى أو للكعبة ونحو ذلك، وكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة، وسواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًا، إلى أن قال: فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله والعبادة له كان كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا صار بالذبح مرتدًا. انتهى.