فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 294

(أ) إن من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن مدار النجاة يوم القيامة إنما هو في تحقيق الإسلام الحقيقي لله ظاهرًا وباطنًا، وهو ما يستلزم الانقياد والطاعة له سبحانه وتعالى.

قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .

وقال صلى الله عليه وسلم:"لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة".

كما أن عصمة الدم والمال بالإسلام في الدنيا مترتبة على صحة الإسلام في الظاهر، والله يتولى السرائر. قال صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله"، وقال صلى الله عليه وسلم -في رواية:"إنما أمرت بالظاهر -أو إنما نحكم بالظاهر- والله يتولى السرائر".

ولقد عالجنا هذه النقطة باستفاضة في البحثين السابقين، موضحين لكل معاني الشهادة المعتبرة سواء على الحقيقة أو في أحكام الظاهر. فمن مات على غير الإسلام، فليس بمتقبل منه دينه عند الله عز وجل -بنص الكتاب والسنة- كائنًا ما كان الدين الذي مات عليه.

(ب) وقد سبق أن بينا بوضوح واستفاضة حدود دائرة الملة الإسلامية، وقلنا إن الدين ينقسم إلى أصل وفروع:

* أصل: وهو التوحيد أو الإيمان المجمل أو كلمة السواء أو أصل الإسلام. وهذا لم يختلف فيه الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولا نزلت بغيره الرسالات كلها.

* فروع: وهي فروع الشرائع المختلفة بين كل رسول، حسب زمانه وأمراض قومه، وحسب ما شاءت حكمة الله سبحانه وتعالى.

فأصل الدين هذا هو الذي يحد الدائرة التي يدخل بها الفرد في الإسلام، بحيث يصح شرعًا أن يعتبر من المسلمين المتقبل دينهم عند الله عز وجل.

(ج) ثم إن هناك عوارض تعرض على الإنسان المكلف، تسقط عنه التكليف سواء بصورة كلية أو بصورة جزئية، وسواء فيما يتعلق بالإسلام كأصل أو بفروع الشريعة. وتؤدي هذه العوارض إلى رفع العقوبة عنه، أو إلى عدم اعتبار تصرفاته في بعض الأحيان.

وتنقسم هذه العوارض إلى قسمين:

1 -عوارض لا تأتي من قبل المكلفين أنفسهم مثل:

* الجنون.

* العته.

* النسيان.

* الإغماء.

* النوم.

2 -عوارض تأتي من قبل المكلفين أنفسهم مثل:

* السفه.

* الجهل.

* السكر.

* الخطأ.

* الإكراه.

وكل عارض من هذه العوارض باب كامل، يشتمل على أبحاث تفصيلية تتناول تحديد معناه، وأشكاله، وتأثيره، وكلها تؤدي إلى رفع العقوبة كليًا أو جزئيًا بشكل من الأشكال.

وما يعنينا هنا في هذا البحث هو مناقشة تأثير عارض"الجهل"على التكليف الشرعي؛ سواء على أصل الإسلام أو على فروع الشريعة، وبيان مذاهب العلماء فيه.

وستتضمن مناقشاتنا بعض الاعتبارات الهامة، منها:

1 -اعتبار الجهل من حيث موضوعه:

* الجهل بالتوحيد أو أصل الدين.

* الجهل بأصول الشريعة، والمتواتر من الأخبار، والصفات التي تعرف بالنقل، ومواضع الإجماع، والمعلوم من الدين بالضرورة.

* الجهل بأصول اعتقادية ثبتت بأحاديث آحاد، رغم اعتبارها من أصول أهل السنة والجماعة.

2 -اعتبار الجهل من حيث مكان المكلف، سواء في:

* دار الإسلام، أو حيث تتوفر مظنة العلم.

* دار الحرب، أو حيث لا تتوفر مظنة العلم.

3 -اعتبار الجهل من حيث صحة الإسلام وأثره عليه، سواء:

* الإسلام على الحقيقة، أي في أحكام الثواب والعقاب الأخروي عند الله تعالى.

* الإسلام على الظاهر، أي في إجراء الأحكام في الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت