فهرس الكتاب
أما عن اعتبار الجهل وتأثيره في حقيقة التوحيد، أي في أحكام الآخرة عند الله من ثواب وعقاب؛ ففيه تفصيل، حيث اختلف العلماء في أمرين:
أولًا: مناط التكليف"أي في حساب الآخرة":
1 -ذهب البعض إلى أن العقل وحده هو مناط التكليف في هذا، وأن الإنسان قد فطر على إدراك التوحيد وحده، فيجب عليه أن يصل إلى الحق بالنظر والاستدلال، وأنه سيحاسب في الآخرة على هذا الأساس حتى ولو لم يأته رسول من الله عز وجل. ومن هؤلاء: المعتزلة، وجمهور الحنفية، وغيرهم.
يقول الإمام أبو حنيفة: (لا عذر لأحد من الخلق في جهله معرفة خالقه، لأن الواجب على جميع الخلق معرفة الرب سبحانه وتعالى، وتوحيده، لما يرى من خلق السموات والأرض، وخلق نفسه، وسائر ما خلق الله تعالى؛ فأما الفرائض فمن لم يعلمها ولم تبلغه، فإن هذا لم تقم عليه حجة حكيمة) ا. هـ.
ويقول العلامة الشنقيطي:(قد قال قوم: إن الكافر في النار، ولو مات في زمن الفترة، وممن جزم بهذا القول -أي أن أهل الفترة الذين ماتوا على الكفر فهم في النار- النووي في شرح مسلم.
وحكى القرافي في شرح التنقيح الإجماع على أن موتى أهل الجاهلية في النار لكفرهم، كما حكاه عنه صاحب"نشر البنود")ا. هـ.
وأجاب أهل هذا القول عن آية (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) وأمثالها من عدة وجوه.
الأول: أن التعذيب المنفي في قوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ .. ) الآية وأمثالها، إنما هو التعذيب الدنيوي، كما وقع في الدنيا من العذاب يقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقوم موسى، وأمثالهم. وإذًا فلا ينافي التعذيب في الآخرة. ونسب هذا القول القرطبي، وأبو حيان، والشوكاني، وغيرهم في تفاسيرهم إلى الجمهور.
الثاني: أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ) الآية وأمثالها. في غير الواضح الذي لا يلتبس على عاقل. أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل، كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد لأن جميع الكفار يقرون بأن الله هو ربهم وهو خالقهم ورازقهم، ويتحققون أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر، لكنهم غالطوا أنفسهم، فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وأنها شفعاؤهم عند الله، من أن العقل يقطع بنفي ذلك.
الثالث: أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا مثلًا قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، كإبراهيم وغيره، وأن الحجة قائمة عليهم بذلك. وجزم بهذا النووي في شرح مسلم، ومال إليه ابن قاسم العبادي في (الآيات البينات) .
الرابع: ما جاء من الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، الدالة على أن بعض أهل الفترة في النار، كما قدمنا بعض الأحاديث الواردة بذلك في صحيح مسلم وغيره.
2 -وذهب الآخرون -ومنهم جمهور أهل السنة- إلى أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحدًا في الدنيا أو في الآخرة إلا بعد قيام الحجة الرسالية عليه.
يقول الإمام ابن القيم: (إن الله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى:(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) .. وهذا كثير في القرآن، يخبر أنه إنما يعذب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة) ا. هـ.
ويقول الإمام الشنقيطي: (إن الله جل وعلا لا يعذب أحدًا من خلقه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى يبعث إليه رسولًا ينذره ويحذره، فيعصي ذلك الرسول، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار) ا. هـ.