فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 294

وهذه الآية أيضًا يعطي احتمال لفظها نحو هذا في الذين لم تصلهم رسالة، وهم أهل الفترات"الذي قدر وجودهم بعض أهل العلم".

وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح، ولا يقتضي ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف.

قال المهدوي: وروي عن أبي هريرة أن الله عز وجل يبعث يوم القيامة رسولًا إلى أهل الفترة والأبكم والأخرس والأصم، فيطيعه منهم من كان يريد أن يطيعه في الدنيا، وتلا الآية.

قلت: هذا موقوف وسيأتي مرفوعًا في آخر طه، ولا يصح .. قال: ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق للعذاب من جهة العقل، والله أعلم) ا. هـ.

كما نقل هذا القول الإمام ابن كثير في تفسيره عن الحافظ بن عبد البر حافظ المغرب بلا منازع، فقال: (قال -يعني ابن عبد البر-: أحاديث هذا الباب ليست قوية ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها، لأن الآخرة دار جزاء وليست دار عمل ولا ابتلاء، وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها) ا. هـ.

فالراجح -عند أصحاب هذا المذهب - هو عدم وجود من لم تبلغه دعوة التوحيد في الدنيا قبل موته بأية صورة من الصور، وذلك لعموم الأدلة القرآنية الدالة على إرسال الرسل وإقامة الحجة في الدنيا على كل شخص، وأن الدنيا هي دار التكليف ولا تكليف بعدها.

وأما عن آية الإسراء: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) فيقال فيها:

* إما أنها تعم حكم الدنيا والآخرة، فيكون الله سبحانه وتعالى يقرر فيها حقيقة إرادتها مشيئته وحكمته، مدللًا بها على كمال عدله المطلق جل وعلا، بمعنى أن الله حين يعذب الكافرين في الآخرة، فإنه قد أقام عليهم الحجة، ولا شك في الدنيا، وأعذر إليهم أولًا فأرسل إليهم الرسل والنذر مبلغين عنه عز وجل، كما قرر سبحانه في الآيات الأخرى الكثيرة، والتي ذكرناها آنفًا.

فالآية على هذا تقرر حقيقة سبق وأن تحققت فعلًا في الدنيا بإرسال الرسل إلى كافة الناس، فهي لا تضع شرطًا إذًا للعذاب على من بلغه الرسول دون من لم يبلغه -فالجميع قد بلغهم- وذلك بمقتضى نصوص أخرى ثابتة في نفس محل الخلاف تنفي وجود من لم يأته نذير.

* وإما أنها تحري على أحكام الدنيا قفط، بمعنى الإهلاك وعذاب الاستئصال الأرضي، وهو قول الجمهور كما ذكرنا. أو أنها لا تجري إلا على ما لا يعرف إلا بالشرع من أحكام الفروع، بمعنى أنه"لا تكليف إلا بشرع"، فتكون هذه الآية وأمثالها هي الدليل على هذه القاعدة.

ويقول النيسابوري: (وما كنا معذبين -في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع- إلا بعد مجيء الشرع) ا. هـ.

ويقول الطبرسي: (إن الآية على التخصيص فيما لا يعرف إلا بالشرع من واجبات وفرائض وفروع الشريعة) ا. هـ.

وأما عن حديث الأربعة المحاجون يوم القيامة، فإلى جانب قول من قال من الأئمة بعدم صحته، كالقرطبي وابن عطية وابن عبد البر وغيرهم، فإن مسألة تخصيص عام القرآن بحديث الآحاد مسألة مختلف فيها؛ فقد جعل الإمام الشافعي والإمام أحمد خبر الآحاد الصحيح السند مخصصًا لعام القرآن مطلقًا. أما الإمام أبو حنيفة فلم يخصص به العام مطلقًا، لأن دلالة العام عنده قطعية. وأما الإمام مالك فقد خصص به العام إن عاضده قياس أو عمل أهل المدينة، ومنع من تخصيصه بغير ذلك، وضعّف الخبر في هذه الحالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت