فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 294

فإذا كان حديث الأربعة يعارض نصوصًا أخرى عامة، فيجب التوقف فيه وتوكيل أمره إلى الله عز وجل؛ خاصة وأن سنده لم تثبت صحته بإطلاق ودون مخالفة. وقد توقف مثلًا الإمام مالك في حديث ولوغ الكلب رغم صحته عنده وروايته له بنفسه، وذلك لمعارضته قاعدة قطعية عنده، وهي أن علة الطهارة هي الحياة، إلى جانب قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) وكذلك ردت عائشة رضي الله عنها حديثًا لأبي هريرة رضي الله عنه في عذاب الميت ببكاء أهله عليه، وذلك لمخالفته لقوله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) .

2 -وذهب الفريق الآخر إلى جواز وقوع ذلك شرعًا وعقلًا، فقدروا وجود"أهل الفترة"وكان مستندهم في ذلك هو حديث الأربعة السابق ذكره، فصححوه وقالوا به.

ومن هؤلاء الإمام ابن كثير حيث قال في تفسيره: (إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح، كما نص على ذلك غير واحد من أئمة العلم، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يقوى بالحسن والصحيح، وإذا كانت أحاديث الباب متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر) ا. هـ. ثم نسب نفس القول إلى الأشعري والبيهقي وغيرهما.

كذلك صحح الحديث ابن حزم في الأحكام فقال: (أما من لم يبلغه ذكره صلى الله عليه وسلم، فإن كان موحدًا، فهو مؤمن على الفطرة الأولى صحيح الإيمان لا عذاب عليه في الآخرة، وهو من أهل الجنة، وإن كان غير موحد فهو من الذين جاء النص بأنه يوقد له نار يوم القيامة، فيؤمرون بالدخول فيها، فمن دخلها نجا، ومن أبى هلك) ا. هـ.

وهو ما يراه الإمام ابن القيم حيث يقول: (الأصل الثالث: إن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة دون بقعة، وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه، كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر له ترجمان، فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئًا ولا يتمكن من الفهم، وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة، كما تقدم في حديث الأسود وأبي هريرة وغيرهما) ا. هـ.

ويقول الإمام الشنقيطي: (الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي: هل يعذر المشركون بالفترة أو لا؟ هو أنهم معذورون بالفترة. فوجه الجمع بين الأدلة هو عذرهم بالفترة، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع دخل النار وعُذِّب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا، لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل. وبهذا الجمع تتفق الأدلة، فيكون أهل الفترة معذورين، وقوم منهم من أهل النار بعد الامتحان، وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضًا) ا. هـ.

ويقول الشنقيطي أيضًا: (وقال ابن كثير رحمه الله تعالى أيضًا قبل هذا الكلام بقليل ما نصه: ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في عرصات المحشر، فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيه بسابق السعادة. ومن عصى دخل النار داخرًا، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة. وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد حرصت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة، والشاهد بعضها لبعض. وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب"الاعتقاد"، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد. انتهى الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى وهو واضح جدًا فيما ذكرنا) ا. هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت