فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 294

ويقول الشنقيطي: (إن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان، فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان، ويتفق ذللك جميع الأدلة، والعلم عند الله تعالى) ا. هـ.

وحتى على قول هذا الفريق من العلماء -أي من قدّروا وجود أهل الفترة، أو من لم تبلغه دعوة التوحيد -فلا وجه لتطبيق مقتضى هذا القول على من هم في أيامنا هذه؛ أي عند"تحقيق مناط"هذا الحكم، بالمصطلح الأصولي.

فزمان الفترة هو زمان اندرست فيه الشرائع كلية، وانطمست كل أعلام النبوة وآثارها، ولم يعرف قول نبي ولا شرعيته، ولم يجد الناس من يهديهم إلى الدين الحق إذا جهدوا في البحث عنه، فلم يتمكنوا منه لعدم توفر إمكانية العلم.

فأين هذا من زماننا الذي يتلى فيه القرآن في كل مكان ليل نهار، وتقام فيه المساجد في كل منطقة وحي، وتنتشر فيه الكتب التي تعلّم الناس دينهم بالملايين مطروحة بين أيديهم، غير الأئمة الأعلام الذين أقاموا الحجة كاملة على أبناء عصرهم قديمًا وحديثًا، فمنهم من استشهد ودفع حياته رخيصة في سبيل دينه، ومنهم من تحمل في سبيل الحق كل بلاء وإساءة، فظل صامدًا مناديًا بالحق مجاهرًا به في كل وقت وفي كل مكان.

وصدق الله العظيم: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ، قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ، إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ، فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ) .

فقياس أهل زماننا على أهل الفترة لا يصح مطلقًا بأي وجه من الوجوه، وإنما أهل الفترة -على هذا القول- فقد انقطع وجودهم في الأرض منذ أن ربطت أجزاؤها بعضها ببعض بشتى وسائل الاتصالات الحديثة التي تكفل انتقال الأفكار والأخبار في مثل لمح البصر.

فمناط وجود"أهل الفترة"غير متحقق في عالمنا اليوم -إن صح وجودهم مطلقًا- فلا يجوز الاحتجاج بهم؛ وهذا من قبيل ما ذكرناه سابقًا وكثيرًا من أنه يجب أن تحمل أقوال العلماء والأئمة من السلف والخلف، كل قول على مناطه الحقيقي المقصود، حتى لا تضيع الحقائق، فنطبق أحكامًا على من ليس مكلفًا بها أصلًا، ونخرج من مقتضاها من هو مكلف بها في حقيقة أمره!

ثم إن القائلين بهذا القول -أي وجود أهل الفترة- قد قسموا أهل الفترة إلى قسمين:

* قسم متابع لما عليه أهل الشرك، مستنيم لهم، غير عامل على البحث عن غير دينهم، سواء وحد غير هذا في زمانه أم لم يوجد.

* وقسم عرف ما عليه أهل زمانه من الشرك والمنكر، فرفضه، ولكنه لم يجد دينًا يتعبد به إلى الله، لعدم وجود آثار الرسالة في هذا الزمان.

فالقسم الأول غير معذور، ولا يدخل في مقتضى آية الإسراء أو حديث الأربعة.

والقسم الآخر: فصاحبه إما أن يكون موحدًا، ولكنه يجهل أية شريعة يتقرب بها إلى الله، وذلك لعدم وجودها في زمانه، فهذا ناج يوم القيامة، ومثاله"المتحنفين"من العرب قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وإما أن يكون تاركًا لما عليه قومه من عبادة غير الله متوقفًا عنه، ولكنه لم يصل إلى الدين الصحيح بعد أن جهد في طلبه وتحصيله فلم يتمكن، فهذا الذي يدخل في مقتضى الآية وحديث أهل الفترة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت