فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 294

يقول صاحب المنار:(لا نكفر موحدًا بجهل بعض هؤلاء الرسل إذا كان يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله إجمالًا، وباليوم الآخر وبالقدر، وبأركان الإسلام العملية، وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وسائر ما لا يزال معلومًا من الدين بالضرورة، كما أننا لا نكفر من أنكر بجهل غير ذلك مما يخفى عن العوام من أخبار القرآن وأحكامه وآدابه، كخبر أهل سبأ، وحكم إرث الكلالة، وأدب الاستئذان والسلام قبل دخول بيوت الناس.

وأما من جحد شيئًا من ذلك بعد العلم بأنه منصوص في القرآن غير متأول فيكفر، لأنه كذب كلام الله تعالى)ا. هـ.

وقد ذكر الإمام ابن القيم نفس المعنى في (المدارج) في معرض حديثه عن الجحود حيث قال: (والخاص المقيد، أن يجحد فرضًا من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته، أو صفة وصف الله بها نفسه أو خبرًا أخبر الله به .. إلى قوله: وأما من جحد ذلك جهلًا أو تأويلًا يعذر فيه صاحبه فلا يكفر صاحبه به .. ) ا. هـ.

وهذا الذي قررناه، هو ما جاءت كل نصوص الإمام ابن تيمية تقرره، والتي يقول فيها بعدم تكفير المعين إلا بعد إقامة الحجة عليه.

فإن إنكار أمر من الأمور السابق تقريرها يعتبر في حد ذاته كفرًا، إلا أنه عند عدم وجود مظنة العلم يعذر الجاهل في هذه الأمور، لأنها تحتاج كلها إلى الإبلاغ بشرع فتقام الحجة أولًا بالشكل الواضح القاطع، فإذا أنكر بعدها كفر.

فعلى هذا المعنى إذن -وفي هذا القسم من الشريعة- تتنزل كل نصوص الإمام ابن تيمية التي يتوقف فيها عن تكفير الجهال بأعيانهم حتى تقام الحجة عليهم أولًا.

من ذلك مثلًا قول الإمام ابن تيمية: (إذا تبين ذلك فمن ترك بعض الإيمان الواجب في الجملة لعجزه عنه، إما لعدم تمكنه من العلم، أو لعدم تمكنه من العمل، لم يكن مأمورًا بما يعجز عنه، ولم يكن ذلك من الإيمان والدين الواجب في حقه، وإن كان من الدين والإيمان الواجب في الأصل) ا. هـ.

فهذا نص في أنه إنما يتكلم عن"الإيمان الواجب"والذي يعني به الإمام ابن تيمية دائمًا في كتاباته جملة أحكام الفروع، دون"الإيمان المجمل"-أي التوحيد- حسب تعبير الإمام نفسه.

وقد أزال الإمام محمد بن عبد الوهاب هذا الإشكال في رسالة له، أوضح فيها أن شيخ الإسلام ابن تيمية إنما يتوقف عن تكفير المعين حتى تقوم عليه الحجة في المسائل المخفية فقط، وليس في كل الأمور وتحت أي ظرف.

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (وأنا أذكر لفظه الذي احتجوا به على زيغهم. قال رحمه الله: أنا من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير أو تبديع أو تفسيق أو معصية، إلا إذا علم أنه قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة وفاسقًا تارة وعاصيًا أخرى. ا. هـ. وهذه صفة كلامه في المسألة في كل موضع وقفنا عليه من كلامه، لا يذكر عدم تكفير المعين إلا ويصله بما يزيل الإشكال، أن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة، وأما إذا بلغته الحجة حكم عليه بما يقتضيه تلك المسألة من تكفير أو تفسيق أو معصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت