فهرس الكتاب
وصرح رضي الله عنه أن كلامه في غير المسائل الظاهرة، فقال في الرد على المتكلمين، لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منه الردة عن الإسلام كثيرًا، قال: وهذا إن كان في المقالات الخفية، فقد يقال إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها. ولكن هذا يصدر عنهم في أمور يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من الملائكة والنبيين وغيرهم، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل إيجاب الصلوات الخمس وتعظيم شأنها، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر، ثم تجد كثيرًا من رؤوسهم وقعوا فيها فكانوا مرتدين) ا. هـ.
وعلى هذا المعنى تُحمل كل نصوص شيخ الإسلام ابن تيمية التي أشبهت على الكثيرين، من أنه لا يكفر الجاهل ابتداء حتى تبلغه الحجة، رغم أن مقالته كفر في ذاتها -كقوله مثلًا:"إن الخمر حلال"، فهذا القول مكفر بذاته، ولكن في حالة عدم وجود مظنة العلم، كالقادم حديثًا من دار الحرب أو الناشئ مثلًا في بادية بعيدًا عن المسلمين -ولكون القول وقع على فرع من فروع الشريعة أو غيرها مما يجب فيه ورود الخبر والإعلام به -وجب التوقف عن تكفيره حتى يبلغه النص الثابت في ذلك، فإن استمر في إنكاره كفر بلا خلاف.
وأما عن قول ابن تيمية الذي نقله عنه صاحب مجموعة التوحيد: (ونحن نعلم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأحد أن يدعو أحدًا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأحد السجود لميت ولا إلى ميت ونحو ذلك، بل تعلم أنه نهى عن هذه الأمور كلها، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين ما جاء به الرسول مما يخالفه) ا. هـ.
فقد أوضح بعدها مباشرة أن توقف ابن تيمية في تكفير هؤلاء إنما كان لمصلحة واقعة في دعوة هؤلاء إلى ترك ما هم عليه من شرك وعدم نفرتهم، أي أنه كان موقفًا عمليًا أملته ضرورات واقعية مر بها الإمام، ولم يكن حكمًا فقهيًا يتبناه.
قال:"قلت: فذكر رحمه الله ما أوجب له عدم إطلاق الكفر عليهم على التعيين خاصة إلا بعد البيان والإصرار، فإنه -أي الكفر- قد صار أمة واحدة، ولأن من العلماء من كفّره بنهيه لهم عن الشرك في العبادة! فلا يمكن أن يعاملهم إلا بمثل ما قال، كما جرى لشيخنا محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في ابتداء دعوته، فإنه إذا سمعهم يدعون زيد بن الخطاب رضي الله عنه قال: الله خير من زيد، تمرينًا لهم على نفي الشرك بلين الكلام، نظرًا إلى المصلحة وعدم النفرة، والله سبحانه وتعالى أعلم) ا. هـ."
فهي إذن طريقة في الدعوة، ومصلحة واقعة، لا دخل لها بالحكم الفقهي للقائل، فلا يمكن بمثل هذا النص -وأشباهه- أن نرد كل ما ذكرنا من أدلة- وبينها نصوص لشيخ الإسلام نفسه فنظلم أنفسنا ونتهم عقولنا ونظلم الأئمة أنفسهم معنا بسوء تأولينا لكلامهم؛ فكيف وهذا النص وغيره مفسر على وجهه والحمد لله.