فهرس الكتاب
وهي الأمور التي تعتبر من أصول الاعتقاديات عند أهل السنة، ولكنها لم تثبت بطريقة قطعية، فهي ظنية الثبوت عند البعض.
وما كان مثل هذا فلا يكفر جاهله قبل إقامة الحجة عليه، والجمهور على عدم تكفيره حتى لو أنكره بعد إقامة الحجة عليه -وذلك لعدم قطعية الدليل- بل يعتبر مبتدعًا أو فاسقًا.
يقول صاحب المنار: (فمان كان غير قطعي الراوية، احتمل أن يكذبه مكذب للجهل بالراوية أو لعدم تصديقه لبعض رواته، وما كان غير قطعي الدلالة احتمل أن يكذب مكذب ببعض معانيه، لاعتقاده أن هذا المعنى غير مراد، فهذا ما يخرج بغير العلم القطعي؛ ولذلك يشترط العلماء في ذلك أن يكون مجمعًا عليه، معلومًا من الدين بالضرورة، ويشترطون أن يكون المكذب غير متأول، إذ لا يتأول إلا ما كان غير قطعي الدلالة عنده، ولهذا لم يكفر سلف الأمة من خالفهم في فهم آيات الصفات وغيرها من فرق المبتدعة متأولًا، ولكن السلف والخلف يكفرون من يكذب الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء يعتقد هو أنه جاء به عن الله تعالى، وإن لم يكن في الواقع قطعي الراوية والدلالة، إذ مدار الكفر عن التكذيب) ا. هـ.
وقد صنف أهل السنة هذه الأمور في أصول عقائدهم.
فقد ذكر ابن حزم مثلًا في مقدمة"المحلى"في معرض كلامه عن أصول العقيدة عند أهل السنة، مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة فقال: (المسألة الثالثة والستون: اعتقاد أن الله تعالى يراه المسلمون يوم القيامة بقوة غير هذه القوة) ا. هـ.
وقد استدل أهل السنة على هذا ببعض نصوص القرآن والسنة، كقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) . وقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا -وكان ناظرًا إلى القمر- لا تضامون في رؤيته) .
وبالرغم من هذا لم يكفروا من أنكر الرؤية من المعتزلة وغيرهم، حيث تأولوا الآية والحديث، واحتجوا بقوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) .
ولقد عدّهم مصنفو الفرق داخلين في فرق المسلمين المختلفة بلا خلاف معتبر.
يقول البغدادي: (وأما القدرية المعتزلة عن الحق، فقد افترقت عشرين فرقة .. ثم ذكرها بأسمائها .. ثم قال: إلا فرقتين. الخابطية والحمارية، فهما ليسا من فرق الإسلام) ا. هـ.
فعد بقية فرق المعتزلة من فرق الإسلام عنده، رغم إجماعهم على نفي الرؤية.
ويقول ابن حزم في المسألة التاسعة والثلاثين: (وإن عذاب القبر حق، ومساءلته الأرواح بعد الموت حق، ولا أحد يحيا بعد موته إلى يوم القيامة. لما رواه مسلم عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) ، قال: نزلت في عذاب القبر، يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله وديني الإسلام: ا. هـ.
ويقول البغدادي في بيان الركن الحادي عشر من عقائد أهل السنة: (وقالوا بإثبات السؤال في القبر، وبعذاب أهل القبر لأهل العذاب، وقطعوا بأن المنكرين لعذاب القبر يعذبون فيه) ا. هـ.
ويقول في منكري الشفاعة: (والمنكرون للشفاعة يحرمون من الشفاعة) ا. هـ.
فذهب إلى عدم تكفيرهم، بينما حكى تكفير أهل السنة لبعض أصحاب المقالات الأخرى.
وهكذا القول في كل أمور الأصول الاعتقادية لأهل السنة، والثابتة بطرق ظنية، فلا يكفر منكرها حتى بعد إقامة الحجة عليه إن كان متأولًا، فإن أنكرها غير متأول بها بعد ثبوتها عنده كفر بذلك لأنها تعتبر هنا قطعية بالنسبة إليه.