فهرس الكتاب
قال: وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق ومضادة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة.
وفي التنزيل (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) إلى أن قال: الفصل الأول فيما انتحلوه من الإفك الوخيم والشرك العظيم، إلى أن قال: فأما قولهم إن للأولياء تصرفًا في حياتهم وبعد الممات فيرده قول الله تعالى (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) ، (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) ، (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ونحو ذلك من الآيات الدالة على أنه المنفرد بالخلق والتدبير والتصرف والتقدير، ولا شئ لغيره في شئ ما بوجه من الوجوه، والكل تحت ملكه وقهره تصرفًا وملكًا وإحياء وإماتة وخلقًا، وتمدح الرب سبحانه بانفراده في ملكه بآيات من كتابه كقوله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) ، (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) وذكر آيات في هذا المعنى ثم قال: فقوله في الآيات كلها من دونه من غيره فإنه عام يدخل فيه من اعتقدته من ولي وشيطان تستمده، فإن من لم يقدر على نصر نفسه كيف يمد غيره؟ إلى أن قال: فكيف يتصور لغيره من ممكن أن يتصرف؟ إن هذا من السفاهة لقول وخيم وشرك عظيم.
إلى أن قال: وأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) ، (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) ، (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) ، (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) .
وفي الحديث:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"الحديث.
فجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة أو نقصان، فدل ذلك على أنه ليس للميت تصرف في ذاته فضلًا عن غيره بحركة، وأن روحه محبوسة مرهونة بعملها من خير أو شر، فإذا عجز عن حركته لنفسه فكيف يتصرف لغيره؟ فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون إن الأرواح مطلقة متصرفة، قل أأنتم أعلم أم الله؟
قال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات فهو من المغالطة، لأن الكرامة شئ من عند الله يكرم بها أولياءه، لا قصد لهم فيه ولا تحدّ ولا قدرة ولا علم، كما في قصة مريم بنت عمران وأسيد بن حضير وأبي مسلم الخولاني.