فهرس الكتاب
ولكن لأن الشريعة قد وردت بنسبة صفات أخرى إلى الله سبحانه وتعالى، ليس بينها صفة الجسمية -كما أنها تنافي التنزيه الواجب له سبحانه وتعالى، فلزم نفي هذه الصفة عن الله عز وجل، ولزم البلاغ أولًا بأن الشريعة قد وردت بنفي هذه الصفة قبل أن يكفر الجاحد أو المعاند.
ويرد ابن حزم على من يكفر المتأولين من أهل الإسلام استنادًا إلى الآية القرآنية: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) بقوله: ( .. ثم نقول لهم لو نزلت هذه الآية في المتأولين من جملة أهل الإسلام -كما تزعمون- لدخل في جملتها كل متأول مخطئ في تأويل في فتيا، ولزمه تكفير جميع الصحابة رضي الله عنه، لأنهم قد اختلفوا .. الخ) ا. هـ.
ويقول ابن حزم: (وأما من كفر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ، لأنه كذب على الخصم وتقويل له ما لم يقل به .. ) ا. هـ.
فهذا بيان جلّ في أن مناقشة ابن حزم في هذا الباب إنما هي لقضية أخرى غير قضيتنا، وهي قضية تكفير المتأولين من أهل الإسلام، ممن يوافق على أصل الدين -أي التوحيد- ولكنه يختلف في أصل كلي في الاعتقاديات أو غيرها من الأحكام الشرعية.
وابن حزم نفسه هو الذي يقول -في موضع آخر- بأن من الناس من يكقر بقول أو فعل من أفعال الخوارج دون جحد منه بالقلب ودون أن يشعر بأنه قد كفر بذلك.
يقول ابن حزم معلقًا على قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) . يقول: (فهذا نص جلي وخطاب للمؤمنين بأن إيمانهم يبطل جملة وأعمالهم تحبط برفع أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم دون حجد كان منهم أصلًا، ولو كان منهم جحد لشعروا له، والله تعالى أخبرنا بأن ذلك يكون وهم لا يشعرون، فصح أن من أعمال الجسد ما يكون كفرًا مبطلًا لإيمان فاعله جملة ومنه ما لا يكون كفرا) ا. هـ.
فهذا ابن حزم يؤكد أن هناك من يكفر وهو لا يدري أنه كفر، وهذا لا يكون إلا ممن يجهل أن فعله هذا قد أوقعه في الكفر، إذ لو أنه يعلم لكان قد شعر أنه يكفر بهذا الفعل، فصح أنه يجهل أن فعله هذا كفر.
وهذا القول لابن حزم في هذه المسألة يؤكد أنه في الموضع الآخر لم يكن يناقش قضية التوحيد؛ أو قضية السقوط جهلًا في شرك أكبر ينقل عن الملة لخرقه أصل الإسلام، وإنما هو الجهل مثلًا الواقع على صفة من الصفات المختلف في حكم الجاهل بها.
فلا يصح الاستدلال بمثل هذه النقول عن ابن حزم في معرض بحث قضيتنا أو الاعتراض بها، بل الصحيح والواجب هو دراسة أقوال الإمام كلها في مواضعها المختلفة لمعرفة وجهة نظره مكتملة.
(ب) إيضاح لقول القاسمي في تفسيره"محاسن التأويل":
فقد جاء في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) . قول القاسمي نقلًا عن القاضي أبي بكر بن العربي: (فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركًا أو كافرًا فإنه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبين له الحجة التي يكفر تاركها بيانًا واضحًا ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعًا جليًا قطعيًا يعرفه كل المسلمين من غير نظر وتأمل) ا. هـ.