فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 294

وقال ابن عطية: لا خلاف أحفظه في أنهم كانوا مؤمنين، وأيّد ذلك بقوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ) ، وبأن وصفهم بالحواريين ينافي أن يكونوا على الباطل، وبأن الله تعالى أمر المؤمنين بالتشبه بهم والاقتداء بسنتهم في قوله تعالى: (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) .

وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدح الزبير: إن لكل نبي حواريًا، وإن حواريي الزبير"."

ومن ذلك أجيب عن الآية بأجوبة، فقيل: إن معنى (هل تستطيع) أي هل يفعل؛ كما تقول للقادر على القيام هل تستطيع أن تقوم، مبالغة في التقاضي، قال به الحسن، وقيل: المعنى هل يطيع ربك، فيستطيع بمعنى يطيع، وقيل: إن سؤالهم للاطمئنان والتثبت. وقرأ الكسائي وعلي وعائشة وابن عباس ومعاذ وجماعة من الصحابة هل تستطيع ربك ا. هـ.

مما سبق كله نعلم أن من أخذ بقراءة (هل يستطيع ربك) قد صرف المعنى إلى وجوه أخرى كثيرة، وعلى هذا إجماع المفسرين. وأن القول الذي نقلوه عن عدم علم الحواريين يعتبر -بتعبير الحلبي- خارق للإجماع! فلا نعلم -بل ونعجب- لماذا اختاروا هذا الوجه الخارق للإجماع لفهم الآية؟!

(هـ) وأما عن الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده:

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:"خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل. فقال ما شاء الله تعالى أن يقول. فقيل: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل؟ قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه".

قالوا: فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن الشرك نوعان: ما هو معلوم لنا، وما خفي علينا. ثم قالوا: فصح أن الجاهل معذور"في الشرك"بجهله!

فنقول وبالله التوفيق: اتفقتم معنا في أن الشرك شركان: شرك أكبر، وهو في الواقع على أصل الإسلام أو التوحيد، وشرك أصغر وهو ما لا يخرج بصاحبه عن دائرة الملة.

ونحن كلامنا كله عن الشرك الأكبر، بينما استدلالكم بهذا الحديث يقع على الشرك الأصغر، الذي قد يجهل المرء بعض صورة مما يجب العلم به بالبلاغ. فهو استدلال في غير موضعه أصلًا.

ثانيًا: الإيضاحات

(أ) إيضاح لقول الإمام ابن حزم في كتابه"الفصل":

فقد جاء في معرض كلام الإمام ابن حزم في هذا الكتاب: (وكذلك من قال إن ربه جسم فإنه كان جاهلًا أو متأولًا فهو معذور لا شيء عليه، ويجب تعليمه، فإذا قامت عليه الحجة من القرآن والسنة فخالف ما فيها عنادًا فهو كافر يحكم عليه بحكم المرتد) ا. هـ.

قد سبق أن ذكرنا الخلاف بين الأئمة في تكفير جاهل بعض الصفات وقلنا: إن من الأئمة من حكم بكفر جاهل الصفة مثل الطبري والأشعري في أحد قوليه: ومنهم من لم يكفر جاهل الصفة مثل الأشعري في قوله الآخر. فهذا موضع خلاف خارج عن مقتضى القضية، وإنما قضيتنا فيما اتفق عليه من أصل الإسلام -أي التوحيد- وهل يعذر الجاهل فيه، ويعتبر رغم تلبسه بالكفر- مسلمًا؟!

كذلك فقول ابن حزم المذكور إنما هو في صفة من الصفات التي لا تعرف إلا بالنقل، فإنه ليس من المستحيلات أن تنسب صفة الجسمية إلى الله -سبحانه وتعالى- مع تنزيهه في نفس الوقت عن مشابهة خلقه.

فكون الله عز وجل له يد ليست كأيدينًا وله عين ليست كأعيننا وله نفس ليست كأنفسنا، فلا مانع -عقلًا- أن يكون له -سبحانه وتعالى- حسمًا ليس كجسمنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت