فهرس الكتاب
ويقول القرطبي أيضًا: (وقيل: إن القوم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه، لأنهم كانوا مؤمنين عارفين عالمين، وإنما هو كقولك للرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي؟ وقد علمت أنه يستطيع. فالمعنى: هل يفعل ذلك؟ وقد كانوا عالمين باستطاعة الله تعالى ذلك وغيره علم دلالة وخبر، فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم:(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) ا. هـ.
ويقول القرطبي: (قلت: هذا تأويل حسن؛ وأحسن منه أن ذلك كان من قول من كان مع الحواريين) ا. هـ.
ويقول: (قال ابن الحصار: وقوله سبحانه مخبرًا عن الحواريين لعيسى(هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) ليس بشك في الاستطاعة، وإنما هو تلطف في السؤال وأدب مع الله عز وجل) ا. هـ.
وينقل القرطبي أيضًا عن ابن الحصار: (والحواريون كانوا هم خيرة من آمن بعيسى، فكيف يظن بهم الجهل باقتدار الله تعالى على كل شيء ممكن؟) ا. هـ.
ويقول القرطبي: (وأما قراةءة"التاء"فقيل: المعنى هل تستطيع أن تسأل ربك؟ وهذا قول عائشة ومجاهد -رضي الله عنهما- قالت عائشة: كان القوم أعلم بالله عز وجل من أن يقولوا(هل يستطيع ربك) ، قالت: ولكن (هل تستطيع ربك) .
وروي عنها أيضًا أنها قالت: كان الحواريون لا يشكون أن الله يقدر على إنزال مائدة ولكن قالوا: (هل تستطيع ربك) .
وعن معاذ بن جبل قال: أقرأنا النبي صلى الله عليه وسلم: (هل تستطيع ربك) قال معاذ: وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا يقرأ بالتاء (هل تستطيع ربك) .
وقال الزجاج: (المعنى هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله. وقيل: هل تستطيع أن تدعو ربك وتسأله، والمعنى متقارب) ا. هـ.
وقال الطبرسي في"مجمع البيان":(قيل فيه أقوال، أحدها: أن يكون المعنى هل يفعل ربك ذلك بمسألتك إياه لتكون علمًا على صدقك؟، ولا يجوز أن يكونوا شكّوا في قدرة الله تعالى على ذلك لأنهم كانوا عارفين مؤمنين.
الثاني: المراد هل يقدر ربك، وكان هذا في ابتداء أمرهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله.
الثالث: أن يكون معناه هل يستجيب ربك لك؟ وإليه ذهب السدي في قوله: هل يطيعك ربك إن سألته؟ وهذا على أن يكون استطاع بمعنى أطاع، كما يكون استجاب بمعنى أجاب).
وقال الزجاج: (ويحتمل أن يكونوا أرادوا تثبيتًا، كما قال إبراهيم:(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) ا. هـ.
وقال النيسابوري في تفسيره: (من قرأ بالتاء والنصب فظاهر، والمراد تستطيع سؤال ربك، أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله، ومن قرأ بالياء والرفع فمشكل، لأنه تعالى حكى عنهم أنهم"قالوا آمنا"، فكيف يتصور مع الإيمان شك في اقتدار الله؟ وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا توجب كمالهم وإخلاصهم!!
ومنها: أنهم طلبوا مزيد اليقين والاطمئنان، ولهذا قالوا: (وتطمئن قلوبنا) .
ومنها: أنهم أرادوا معرفة هل هو جائز في الحكمة أو لا.
ومنها قول السدي: السين زائدة، بمعنى هل يطيع ربك.
ومنها: لعل المراد جبريل لأنه كان يربيه.
ومنها: المراد بالاستفهام التقرير، بمعنى أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه، كما تقول: هل يستطيع السلطان إطعام هذا الفقير؟) ا. هـ.
وقد ذكر الطوسي في تفسيره عين ما ذكره النيسابوري.
وقال الآلوسي في تفسيره: (قولهم(هل يستطيع ربك) لم يكن عن تحقيق منهم ولا عن معرفة بالله تعالى وقدرته سبحانه، لأنهم لو حققوا وعرفوا لم يقولوا ذلك، إذ لا يليق مثله بالمؤمن بالله عز وجل. وتعقب هذا القول الحلبي بأنه خارق للإجماع!