فهرس الكتاب
قالوا:"فهذا برهان دال على أن الجاهل معذور بجهله حتى تقوم عليه الحجة"على أساس أنهم كانوا جاهلين بمعاني الربوبية والألوهية!
فنقول وبالله التوفيق:
هذا قول مردود وبيّن البطلان لمن كان له أدنى إحاطة بمعاني النصوص. فإن ما طلبه الحديثو العهد بالإسلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما كان من قبيل المشابهة للكفار، حيث أرادوا منه أن يجعل لهم شجرة يتبركون بها كما يفعل المشركون بشجرتهم.
والمشابهة للكفار لا تقتضي كفر المشابه لهم في كل الأحوال. وهو عين ما ذكره الإمام الشاطبي نفسه الذي نقلوا عنه في إسنادهم للحديث.
يقول الشاطبي: (إلا أنه لا يتعين في الاتباع لهم أعيان بدعهم، بل قد تتبعها في أعيانها، وتتبعها في أشباهها. فالذي يدل على الأول قوله:"لتتبعن سنن من كان قبلكم"، فقد قال فيه:"حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه"، والذي يدل على الثاني قوله:"فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط. فقال عليه الصلاة والسلام: هذا كما قالت بنو إسرائيل .. الحديث". فإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله، لا أنه هو بنفسه) ا. هـ.
فسبحان الله، ألم يقرأ من نقل نص الحديث عن الشاطبي ما قاله هو نفسه بعد سطور قليلة؟! فهو يجعل قولهم من باب المشابهة لا أنه نفس الفعل، ولو أنه نفس الفعل لما كان شك في كفرهم بذلك القول أو غيره، وإنما المشابهة هنا بدعة معصية لا تقتضي التكفير.
وهذا عين ما ذكره الإمام ابن تيمية في تعليقه على نفس الحديث. قال: (فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه) ا. هـ.
فجعل الإمام ابن تيمية فعلهم بدعة غير مكفرة، لا أنها شرك جهلوه، فعذرهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم!
هكذا فهمها أكابر الأئمة، فما لنا ومن فهمها فهمًا خادمًا لغرضه وهواه؟!.
(د) وأما عن قول الحواريين فيما جاء عن رب العزة في سورة المائدة:
(إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .
فقد قال بعضهم: فهؤلاء الحواريون الذين أثنى الله عليهم قد قالوا بالجهل لعيسى عليه السلام: هل يستطيع ربك .. ولم يبطل ذلك إيمانهم.
فنقول وبالله التوفيق: قد ورد في هذه الآية قراءتان:
* أحدهما:"هل تستطيع ربك"، وهي قراءة الكسائي وعلي بن أبي طالب وعائشة وابن عباس ومعاذ وجماعة من الصحابة، وسعد بن جبير، ومجاهد رضي الله عنهم أجمعين.
* الثانية:"هل يستطيع ربك"، وهي القراءة المثبتة في المصحف وكلا القرائتين صحيح.
فمن أخذ بالقراءة الأولى فلا إشكال هناك، إذ يكون المعنى: هل يعطيك ربك إن سألته؟ بمعنى استجاب إن أجاب، وهو قول السدي.
ومن أخذ بالقراءة الأخرى من الأئمة، فقد أوّل المعنى وفهمها حسب ما يقتضي تبرئة الحواريين مما نسب إليهم من الكفر، بجهل قدرة الله تعالى.
وهذا التأويل عام وشامل عند جميع أئمة التفسير وإليك المثال:
يقول القرطبي: بعد أن ذكر قول من قال إنهم شكوا في قدرة الله: (قلت: وهذا فيه نظر، لأن الحواريين خلصاء الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم، كما قال تعالى عنهم:(نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) ، ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جاءوا بمعرفة الله تعالى وما يجب له وما يجوز وما يستحيل عليه، وأن يبلغوا ذلك أهلهم، فكيف يخفى ذلك على من باطنهم واختص بهم حتى يجهلوا قدرة الله تعالى؟) ا. هـ.