فهرس الكتاب
يقول العز بن عبد السلام:(وقد رجع الأشعري رحمه الله عد موته عن تكفير أهل القبلة، لأن الجهل بالصفات ليس جهلًا بالموصوفات، وقد اختلف في عبارات والمشار إليه واحد.
وقد مثل رحمه الله ما ذكره، بمن كتب إلى عبيده يأمرهم بأشياء وينهاهم عن أشياء، فاختلفوا في صفاته مع اتفاقهم على أنه سيدهم. فقال بعضهم: هو أكحل العينين، وقال آخرون: هو أزرق العينين، وقال بعضهم: هو أدعج العينين، وقال بعضهم هو ربعة، وقال آخرون: بل هو طوال، وكذلك اختلفوا في لونه أبيض أو أسود أو أسمر أو أحمر، فلا يجوز أن يقال: إن اختلافهم في صفته اختلاف في كونه سيدهم المستحق لطاعتهم وعبادتهم.
فكذلك لا يكون اختلاف المسلمين في صفات الإله اختلافًا في كونه خالقهم وسيدهم المستحق لطاعتهم وعبادتهم.
وكذلك اختلف قوم في صفات أبيهم، مع اتفاقهم على أنه أصلهم الذي خلقوا من مائهِ ولا يكون اختلافهم في أوصافه اختلافًا في كونه نشأوا عنه، وخلقوا منه)ا. هـ.
(ب) وأما عن قول إبراهيم عليه السلام فيما جاءه عن رب العزة في قوله تعالى:
(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) .
وكذلك قوله عن القمر والشمس.
فقد قالوا: وهي نبي الله كان جاهلًا بصفات الله كلها، ومع ذلك لم يسمه الله ولا أحد من الناس كافرًا بالرغم من قوله هذا!
فنقول وبالله التوفيق.
قال القاضي عياض في باب عصمة الأنبياء: (أما عصمتهم قبل النبوة فللناس فه خلاف، والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شيء من ذلك .. ) إلى أن يقول: (ولا يشبه عليك يقول إبراهيم عن الكوكب والقمر والشمس"هذا ربي"؛ فإنه قد قيل: كان هذا في سن الطفولية وابتداء النظر والاستدلال وقبل لزوم التكليف) .
وذهب معظم الحذّاق من العلماء والمفسرين إلى أنه إنما قال ذلك مبكتًا لقومه ومستدلًا عليهم. وقيل: معناه الاستفهام الوارد مورد الإنكار، والمراد"فهذا ربي"؟
قال الزجاج: (قوله"هذا ربي"أي على قولكم، كما قال تعالى:(أَيْنَ شُرَكَائِيَ) ، أي عندكم. ويدل على أنه لم يعهد شيئًا من ذلك ولا أشرك قبل بالله طرفة عين قول الله عز وجل عنه: (( إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ) .
ثم قال: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) .
وقال: (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) ، أي من الشرك.
وقوله: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) .
فإن قلت: فما معنى قوله: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) . قيل إنه إن لم يؤيدني الله بمعونته أكن مثلكم في ضلالتكم وعبادتكم على معنى الإشقاق والحذر، وإلا فهو معصوم في الأزل من الضلال) ا. هـ.
نقول: أو أن ذلك بمعنى الضلال عن معرفة كيفية التعبد لله تعالى، وفروع الشريعة اللازمة لذلك، كا امتن الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال: (وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى) ، أي ضالًا عن القرآن والشريعة فهداك إليها.
(ج) وأما عن حادثة ذات أنواط:
فقد جاء عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال:"خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خيبر ونحن حديثو عهد بكفر. وللمشركين سدرة يعكفون عليها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات انواط. فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، كما قالت بنو إسرائيل: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) ، لتركبن سنن من كان قبلكم".