فهرس الكتاب
1 -فذهب البعض إلى أن قول الرجل إنما هو من مجاز كلام وبديع استعمالها، الذي صورته مزج الشك باليقين، وهو يسمى"تجاهل العارف". كقوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) . فصورته صورة الشك، والمراد به اليقين.
2 -وذهبت طائفة إلى أن الرجل إنما وصى بذلك تحقيرًا لنفسه وعقوبة لها، لعصيانها وإسرافها، رجاءً أن يرحمه الله تعالى، مع العلم بأن ذلك ليس جائزًا في شريعة الإسلام.
3 -وقالت طائفة: لا يصح حمل هذا على أنه نفي قدرة الله، فإن الشاك في قدرة الله تعالى كافر، وقد قال في آخر الحديث: إنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى، والكافر لا يخشى الله تعالى، ولا يغفر له.
قال هؤلاء: فيكون له تأويلان: أحدهما: أن معناه لئن قدر على العذاب، أي قضاه يقال له: قدر بالتخفيف، وقدر بالتشديد بمعنى واحد.
والثاني: إن قدر هنا بمعنى ضيق. قال الله تعالى: (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) وقال تعالى: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) ، أي لن نضيق عليه.
ثانيًا: وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره، ولكن هذا الرجل قاله وهو غير ضابط لكلامه، ولا قاصد لحقيقة معناه ولا معتقد لها، بل قاله وهو في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع، بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقوله، فصار في معنى الغافل والذاهل والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها، وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته"أنت عبدي وأنا ربك"فلم يكفر بذلك، للدهش والغلبة والسهو.
ثالثًا: وذهب البعض إلى الأخذ بظاهر الحديث دون تأويل وقالوا: إن هذا الرجل جهل صفة من صفات الله تعالى؛ ونحن نعلم أن العلماء قد اختلفوا في تكفير جاهل الصفة، فقال القاضي: وممن كفره ابن جرير الطبري وقاله أبو الحسن الأشعري أولًا. وقال آخرون: لا يكفر بجهل الصفة، ولا يخرج عن اسم الإيمان، بخلاف من جحدها. وإليه رجع أبو الحسن الأشعري، وعليه استقر قوله، لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادًا يقطع بصوابه ويراه دينًا وشرعًا، وإنما يكفر من اعتقد أن مقاله حق.
فنقول: هل الجهل المقصود هنا والذي هو محل الخلاف، هو الجهل بأية صفة من صفات الله تعالى؟ أم الجهل ببعض الصفات التي لا تثبت إلا بالشرع عند طائفة من العلماء؟
الواضح طبعًا أن الخلاف المقصود إنما هو في جهل بعض الصفات، وليس أيًا منها بإطلاق، وإلا فهل يعذر مثلًا من جهل أن الله حي أو أنه واحد أحد أو أنه خالق أو عالم؟ فأي إله يعبد إذن؟!
فإن قيل: هذا الرجل جهل صفة القدرة، فعذر بجهله. قلنا: فما الذي دفع العلماء إذن إلى صرف الحديث عن ظاهره واللجوء إلى تأويله، إذا كان الأمر عندهم بهذه البساطة؟ ألا يكفي أن يقولوا مثلًا: هو جاهل فعذر بجهله؟ وما كانت بهم حاجة إلى كل هذه التأويلات؟ إلا أن يكون العلماء قد رأوا أن هذه"قضية عين"لا تقوى على معارضة قواعد كلية ثابتة وأدلة مستفيضة، سبق أن تقررت عندهم في صورة أصل كلي، مما أوجب أن تتنزل هذه القضية على مقتضى هذا الأصل. وخاصة أن الحديث نفسه يحتمل أوجهًا كثيرة غير هذا الوجه الذي يعارض الأصل المقرر؟
وأخيرًا: نقول: أنه حتى لو ثبت خطأ الرجل وظنه أن الله لن يعيده إذا فعل في نفسه ما فعل. فالواضح من النصوص أن الرجل لم يكن مشركًا؛ فلم يلتبس الرجل بالشرك جاهلًا أن الله هو المستحق للعبادة وحده، فعذر بذلك! بل كان الرجل على التوحيد، فلم يعبد أحدًا مع الله بأية صورة من صور العبادة، ثم عذره الله بجهله في الشرك بالله!!
قالت طائفة من العلماء: (كان هذا الرجل في فترة حين ينفع مجرد التوحيد، ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح) ا. هـ.
فالجهل بإحدى الصفات شيء، والجهل بالموصوف شيء آخر.