فهرس الكتاب
وبعد .. فقد علم بالضرورة أنه إذا تقرر أصل من الأصول، وجب تنزيل كل النصوص -التي قد تبدو بظاهرها أنها مخالفة لهذا الأصل- على مقتضى هذا الأصل، وفهمها على ضوئه.
وليس هذا من قبيل الالتواء بالمعاني أو فرض مفهوم معين أو مسبق على النصوص -كما قد يظن البعض- ولكنها أصول الفقه وقواعد الفهم السليم هي التي تملي هذا النظر وتقرره.
فإن تأصيل أصل معين وتقريره، لا يكون إلا بضم شواهد كثيرة من الشريعة تشهد لهذا الأصل ويقوم بها، وتجعل منه قاعدة عامة ومقررة يرجع لها في فهم سائر النصوص والحوادث الجزئية الأخرى، فإذا ما وجد نص واحد أو حادثة واحدة تخالف -بظاهرها- هذا الأصل، وجب فهمها على ضوء هذا الأصل وتنزيلها على مقتضاه؛ لأن معارضة نص واحد أو حادثة واحدة للأصل المقرر، تعني معارضة نص واحد لنصوص أخرى كثيرة، وحوادث أخرى كثيرة مجتمعة على معنى واحد يقرره هذا الأصل، فلا يعطل هذا بذاك.
ولا تكون هذه المعارضة قائمة أو ذات اعتبار إلا إذا اجتمعت شواهد وأدلة كثيرة تشهد لهذا المعنى المخالف بحيث ينتظم منها أصل آخر يقوى على معارضة الأصل الأول، وفي هذه الحالة فقط يجب المقارنة -تبعًا لقواعد أصولية أخرى- للترجيح بين هذين الأصلين.
أما إذا ما خالف الأصل المقرر نص هنا أو كلام لفقيه هناك، فتوقفنا عنده وعدنا إلى التشكك في الأصل الذي تقرر، فهذا ما لا يصح لا في قواعد الشريعة ولا في قواعد الفهم المستقيم.
ولقد قدمنا بهذه الكلمة لنبين بعدها ما نرد به على بعض شبهات قد عرضت، ونبين أيضًا بعض الإيضاحات الواجب ذكرها في هذا المقام.
فمن الشبهات التي أوردها البعض على الأصل الذي تقرر سابقًا، حديث الرجل الذي ذرّ رماد جسده، وحادثة ذات أنواط، وغيرها من الجزئيات التي اعتقدها البعض مخالفة لأصلنا المقرر بينما هي مفهومة على وجهها كما سنرى في عرضنا لها.
أما عن الإيضاحات، فهي تتصل ببعض نصوص وأقوال لبعض الفقهاء، استخرجت من كتب ورسائل لهؤلاء الفقهاء، فهم منها البعض عكس أصلنا المقرر سابقًا، مثل بعض أقوال للإمام ابن تيمية في بعض كتبه، أو ابن حزم أو القاسمي أو غيرهم مما سنعرض له إن شاء الله.
والأخرى .. أنه إذا جاءت نصوص للفقيه أو الإمام توافق أصلًا مقررًا، ثم جاءت لنفس الفقيه أو الإمام في مواضع أخرى نصوص تشتبه علينا، أو تبدو بظاهرها مخالفة لنفس الأصل، لوجب علينا حمل المتشابه من هذه الأقوال على الوجه الذي يوائم الأصل، والذي شهدت له أقوال الإمام نفسه في مواضع أخرى؛ وإلا كان ذلك اتهامًا منا لهذا الإمام بالتناقض والتضارب في أقواله، وليس ثمة ما يدعو إلى ذلك طالما اتسق المنهج، واستقام النظر.
أما عن تفصيلات الشبهات والإيضاحات، فنقول وبالله التوفيق:
أولًا: الشبهات
(أ) أما عن حديث الرجل الذي ذر رماد جسده:
وهو ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات، فأحرقوه ثم ذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين. فلما مات الرجل فعلوا به كما أمرهم. فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لِمَ فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب، وأنت أعلم. فغفر له".
فلقد أشكل هذا الحديث بظاهره على بعض الناس فقالوا: هذا رجل جهل صفة من صفات الله اللازمة لكمال ربوبيته، ومع هذا فقد غفر الله له، فيكون قد عذر بجهله!
فنقول وبالله التوفيق:
أولًا: فقد تأول العلماء هذا الحديث وصرفوه على غير ظاهره: