فهرس الكتاب
اتضح مما سبق أن هناك من الأقوال والأفعال ما يعتبر كفرًا بذاته أو بجنسه، منها:
* إنكار متواتر من الأخبار حيث توجد مظنة العلم.
* إنكار قاعدة قطعية في الدين حيث توجد مظنة العلم.
* القول بتحليل حرام أو تحريم حلال علم خلافه من الدين بالضرورة، حيث توجد مظنة العلم.
فهذه الأمور وأمثالها يكفر معتقدها ولا شك؛ لكنها -كما سبق أن بينا- إن اقترنت بالجهل حيث لا توجد مظنة العلم، فلا يمكن تكفير قائلها -عينًا- إلا بعد إقامة الحجة عليه بالدليل الواضح، الذي لا خلاف فيه. فإن استمر على قوله كفر. وذلك بخلاف أمور الشرك الأكبر المخرج من الملة والذي لا يعتبر الجهل فيه بأي صورة من الصور في أحكام الدنيا، بل تجري الأحكام فيه على الظاهر، على الأصل الذي قررناه فيما سبق من فصول.
إذن فالأصل المقرر هو: أن كل من كان كفره بنقض ركن من أركان التوحيد وسقوطه في شرك أكبر ينقل عن الملة، فإنه يكفر بذلك عينًا في إجراء الحكم عليه في الدنيا على أساس ظاهر أمره.
وإن كان كفره واقعًا على غير هذا من أمور الشريعة، حيث لا توجد مظنة العلم بها، احتاج الأمر إلى إقامة الحجة الواضحة عليه، لأنه قد يكون لم تبلغه فروع الشريعة المحمدية بالفعل في هذه الجزئية، فإذا ما أنكر بعد إعلامه بها وإقامة الحجة عليه في نفس الأمر كفر بذلك عينًا.
وكما أخطأ البعض فظن أن اعتبار الجهل يقع متمثلًا على التوحيد وعلى غيره من أمور الشريعة، فيعذر بالجهل ابتداء في كليهما؛ فقد أخطأ البعض الآخر فاعتقد أن تكفير المعين من الناس -والذي يقول قولًا مكفرًا بجنسه -لا يلزم سواء أقيمت عليه الحجة أم لم تقم وإنما لا يجوز تكفير المعين مطلقًا!!
وهذا القول -على غرابته وشذوذه ومناقضته للمنقول والمعقول- قد استشهدوا له بنصوص من كلام الإمام ابن تيمية، فهموها على غير وجهها، بل ولم يربطوها بما قبلها وما بعدها؛ فاكتفوا مثلًا بقوله في أحد كتبه ( .. ولا نشهد لمعين أنه في النار لأنا لا نعلم لحوق الوعيد له بعينه .. ) ا. هـ. فقالوا: إن المعين لا يجوز تكفيره مطلقًا، وإنما يقال فقط: إن جنس من قال كذا كافر، أو جنس من فعل كذا كافر! أو أن يقال: إن قول كذا كفر، أو فعل كذا كفر، ثم لا يكفر القائل أو الفاعل له سواء في وجود مظنة العلم أم لا، وسواء أقيمت عليه الحجة أم لا!!
والحق أن ابن تيمية بريء من هذا الزور المفترى عليه، فإن قولهم هذا يلزم عنه تعطيل أحكام الله وحدوده سبحانه وتعالى؛ فقد قال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ .. ) الآية. فأثبت سبحانه وتعالى إمكانية وقوع الردة من المؤمنين عامة. وقال صلى الله عليه وسلم مبينًا حكم من يرتد من المسلمين:"من بدل دينه فاقتلوه". وهو حكم أوحد لا يمكن إيقاعه إلا على معين من الناس، وإلا فكيف يمكن أن يقتل جنس من قال كذا أو فعل كذا؟! هذا قول بيّن البطلان وتعظيل لأحكام الله وحدوده.
وأما عن نصوص الإمام ابن تيمية، فقد أوضح هذا الإمام الجليل أن قوله في هذه المسألة إنما هو فيمن يقول قولًا مكفرًا بجنسه، حيث يتفشى الجهل ولا تتوافر مظنة العلم، فلا يصح تكفير المعين ابتداء -والحال هكذا- حتى تقام عليه الحجة أولًا، فإذا ما قامت عليه الحجة واستمر على قوله كفر بذلك عينًا.