فهرس الكتاب
يقول ابن تيمية: ( .. فنفي الصفات كفر، والتكذيب بأن الله يُرى في الآخرة كفر، وإنكار أن يكون الله على العرش كفر .. وإذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه مع الكفار لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة بالرسالة التي يبين بها لهم أنهم مخالفون للرسول، وإن كانت مقالتهم هذه لا ريب أنها كفر. وهكذا الكلام في جميع تكفير المعينين، مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض؛ وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان والعمل الصالح ما ليس في بعض، والله أعلم) ا. هـ.
وقد قام الإمام محمد بن عبد الوهاب بالرد على هذا الافتراء على شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة مستقلة له، تتبع فيها أقوال ابن تيمية وأوضح أن قوله بعدم تكفير المعين إنما هو حتى إقامة الحجة عليه، وأن هذا في الأمور الخفية والمسائل الغير ظاهرة فقط.
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (قال أبو العباس ابن تيمية في كتاب"اقتضاء الصراط المستيم"في الكلام على قوله تعالى:(وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) . ظاهره أن ما ذبح لغير للحم سواء لفظ به أو لم يلفظ حرام، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم وقال فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله أزكى مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه باسم الله.
فإن عبادة الله بالصلاة والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور. والعبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله.
فلو ذبح لغير الله متقربًا إليه لحرّم، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبائحهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان. ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن. اتنهى كلام الشيخ.
وهو الذي ينسب إليه أعداء الدين أنه لا يكفر المعين! فانظر أرشدك الله إلى تكفيره من ذبح لغير الله من هذه الأمة، وتصريحه أن المنافق يصير مرتدًا بذلك، وهذا في المعين إذ لا يتصور أن تحرم إلا ذبيحة معين.
إلى قوله -يقصد ابن تيمية-: ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادتهم الأوثان، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمّه الله وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن، فلينظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زامنه، وما ذكره الأزرقي وغيره في أخبار مكة في العلماء.
وكان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الناس: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: الله أكبر، إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم.
فأنكر صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها أسلحتهم، فكيف يما هو أعظم من ذلك من الشرك بعينه.
إلى أن قال: فمن ذلك عدة أماكن بدمشق، مثل مسجد يقال له مسجد الكف، فيه تمثال كف. يقال: إنه كف علي بن أبي طالب، حتى هدم الله ذلك الوثن، وهذه الأمكنة كثيرة في البلاد، وفي الحجاز منها مواضع ..
ومما يبين صحة هذه العلة أنه لعن من يتخذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم أن قبور الأنبياء لا يكون ترابها نجسًا، وقال عن نفسه:"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد". فعلم أن نهيه عن ذلك كنهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها سدًا للذريعة، لئلا يصلى في هذه الساعة، وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله ولا يدعو إلا الله، لئلا يقضي ذلك إلى دعائها والصلاة لها، وكلا الأمرين قد وقع.